ولذلك كله كان يأمل ابن خلدون أن يقابل بالترحاب من السلطان ووزيره عندما يرحل إلى الأندلس.
إن الوقائع لم تخيب أمله في هذا المضمار؛ فإن السلطان والوزير رحبا به ترحيبا حارا، وهيئا له منزلا فخما يحتوي على وسائل الراحة والهناء.
ويقول ابن خلدون في ترجمة حياته: إن السلطان «نظمه في علية أهل مجلسه، واختصه بالنجي في خلوته، والمواكبة في ركوبه، والمواكلة والمطايبة والفكاهة في خلوات أنسه.»
وفي السنة التالية أوفده السلطان بالسفارة إلى ملك قشتالة؛ بغية إتمام عقد الصلح بينهما، وكان الملك المذكور استولى على إشبيلية واتخذها عاصمة لمملكته، فلما سافر ابن خلدون إليها «عاين آثار سلفه بها»، وملك قشتالة كان قد اطلع قبلا على مكانة ابن خلدون الأدبية، فاقترح عليه البقاء في خدمته ووعده بإعادة أملاك أجداده إليه إذا عمل باقتراحه، ولكن ابن خلدون رفض البقاء في إشبيلية، وعاد إلى غرناطة بعد إتمام مهمة السفارة بنجاح تام.
وسر السلطان من نجاح ابن خلدون في إتمام عقد الصلح؛ فأقطعه «قرية من أراضي السقي بمرج غرناطة».
عندئذ استقدم عائلته من قسنطينة، وتهيأت له بذلك جميع وسائل الراحة والهناء.
إلا أن هذا الهناء أيضا لم يستمر مدة طويلة؛ قرر ابن خلدون مغادرة الأندلس إلى بجاية.
وقد حمله على هذا القرار عاملان أساسيان:
أولا:
أخذ ابن خلدون يشعر بأن لسان الدين ابن الخطيب صار يتوجس خيفة من تعاظم نفوذه لدى السلطان؛ وذلك بسبب وشايات الأعداء و«أهل السعايات»، وعلى الرغم من كل ما كان توثق بينهما من أواصر الصداقة والاحترام، فأراد ابن خلدون أن يجد وسيلة لمغادرة الأندلس قبل أن يحدث ما يكدر صفو المودة القائمة بينه وبين لسان الدين.
ثانيا:
إن أحداث المغرب الأوسط أعطت لابن خلدون الوسيلة التي كان يبحث عنها.
ثالثا:
إن الأمير «محمد أبو عبد الله محمد» استطاع أن يستولي على بجاية ويسترجع مملكته السابقة، فكتب إلى ابن خلدون - حسب وعده القديم - يستدعيه إلى مقر ملكه؛ لتولي منصب الحجابة.
وابن خلدون عرض هذه الدعوة على سلطان غرناطة مستأذنا السفر - دون أن يذكر له شيئا مما لاحظه على الوزير لسان الدين ابن الخطيب - ثم غادر الأندلس بإذن من السلطان بعد مرور نحو ثلاث سنوات على مجيئه إليها. (5) في بجاية (1365)
عند وصول ابن خلدون إلى بجاية عن طريق البحر، احتفل السلطان أبو عبد الله بقدومه احتفالا رائعا، وولاه أرفع مناصب الدولة وهي الحجابة.
ومعنى الحجابة - حسب وصف ابن خلدون لها - هي: «الاستقلال بالدولة، والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته، لا يشاركه في ذلك أحد.»
ويفهم من هذا الوصف أن الحاجب كان بمثابة «الصدر الأعظم» في السلطنات الإسلامية الأخيرة، قبل إنشاء مجالس الوزراء والبرلمانات.
ويقول ابن خلدون في ترجمة حياته عن عمله في بجاية ما يلي: «أمر السلطان أهل الدولة بمباركة بابي، واستقللت بحمل ملكه، واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه، وقدمني للخطابة بجامع القصبة، وأنا مع ذلك عاكف - بعد انصرافي من تدبير الملك غدوة - إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع القصبة لا أنفك عن ذلك.»
ويظهر من هذه العبارات أن ابن خلدون كان مغتبطا بمنصبه وبعمله كل الاغتباط.
إلا أن هذه الحالة لم تدم إلا سنة واحدة؛ لأن السلطان قتل في معركة، وانهار ملكه بقتله كما يتضح من التفاصيل التالية:
إن ابن عم سلطان بجاية هذا، صاحب قسنطينة، السلطان أبا العباس كان ينافسه، ويختلف معه في كثير من الشئون، وكان يطمح في الاستيلاء على بلاده؛ ولذلك قامت بين هذين السلطانين - على الرغم مما كان بينهما من وشائج النسب والقرابة - سلسلة طويلة من الفتن والمخاصمات، وفي الأخير أخذ صاحب قسنطينة يزحف على بجاية على رأس عساكر وجموع غفيرة، واستطاع أن يباغت ابن عمه في مخيمه وأن يقتله هناك، ثم صار يوالي الزحف نحو بجاية بسرعة.