وهكذا أصبح أبو سالم سلطانا على المغرب الأقصى. «كان ابن خلدون مقيما في فاس عند جريان هذه الحوادث المعقدة، إنه ناصر السلطان الأخير، وبقي في خدمته مدة من الزمن.» (3)
ومما تجب ملاحظته في هذا المضمار أن كل صفحة من صفحات الحوادث التي ذكرناها ولخصناها آنفا، كانت مترافقة بسلسلة طويلة ومعقدة من الاضطرابات والتقلبات المحلية والفرعية التي لم نر لزوما إلى ذكرها وتفصيلها.
هذا ويجب أن يلاحظ في الوقت نفسه أن كل هذه الحوادث والتقلبات تعود إلى فترة قصيرة من الزمان، إن تاريخ استيلاء السلطان المريني على تونس كان سنة 1347 / 748، وأما تاريخ وصول السلطان «أبو سالم» إلى كرسي السلطنة في فاس فكان سنة 1358 / 760، وذلك يعني أن الوقائع التي ذكرناها آنفا حدثت خلال إحدى عشرة سنة!
ولا يظن أن هذه السنوات كانت من الأزمنة الشاذة الزاخرة بالتقلبات الخارقة للعادة؛ لأن الشواهد التاريخية لا تترك مجالا للشك في أن الأوضاع السياسية في المغرب العربي، ولا سيما في المغرب الأوسط والأقصى، كانت دائمة التقلب على المنوال الذي وصفناه آنفا.
وأما أهم القوى التي كانت تستند إليها وتستخدمها هذه الثورات والانقلابات، فكانت العشائر البدوية - العربية والبربرية - المنبثة في مختلف الأقطار المغربية؛ لأنها كانت بمثابة قوات مسلحة مستعدة للغزو والحرب في خدمة هذا الأمير أو ذاك، وكان عملها يشبه إلى حد كبير عمل «الجيوش المرتزقة» التي تكونت في أوروبا، ولا سيما في إيطاليا في أواخر القرون الوسطى.
هذا وكانت بعض العشائر الكبيرة بمثابة دويلات مستقلة، «تجبي الإتاوات تحت اسم الخفارة»، وكثيرا ما تأبى أن تدفع إلى السلطان شيئا من الضرائب، وتناصر هذا السلطان أو ذاك حسب سير الأحوال والظروف.
ولا حاجة إلى القول إن انضمام مثل هذه العشائر القوية إلى جيوش هذا الأمير أو ذاك، أو خروجها على هذا أو ذاك، كثيرا ما كان يقرر مصير الحرب ويضمن النصر لهذا أو ذاك. «إن ابن خلدون عاشر القبائل البدوية مدة طويلة، واكتسب على البعض منها نفوذا كبيرا بفضل ذكائه وجرأته، ونفوذ نظره وطلاقة لسانه، وصار يؤثر في سياسة الدول المغربية تأثيرا ملحوظا بفضل علاقاته بالعشائر المذكورة، وسيطرته المعنوية عليها.» «ولا شك في أن ما كتبه عن «تاريخ المغرب» بوجه عام، وعن «العمران البدوي» بوجه خاص، كان من نتائج المعلومات التي جمعها، والخبرات التي اكتسبها خلال معاشرته الطويلة لمختلف القبائل العربية والبربرية.» (4)
ونرى من المفيد أن نستعرض صفحات حياة أحد الأمراء الذين عاصروا ابن خلدون واتصلوا به اتصالا وثيقا؛ وذلك لكي نعطي فكرة أوضح مما سبق عن مبلغ تعقد هذه الأزمات، والتقلبات السياسية المتتالية: (أ)
إن الأمير الحفصي محمد بن عبد الله كان يتولى إمارة بجلية تابعا لسلطان إفريقية في تونس. (ب)
فقد إمارته عندما أغار عليها السلطان أبو الحسن المريني كما ذكرنا ذلك آنفا. (ج)
ولكنه عاد إلى مقر إمارته، وصار يحكمها كالسابق عندما ثار السلطان أبو عنان على والده، ورأى أن يعيد الأمراء الحفصيين إلى إماراتهم؛ ليدافعوا عنها ويحولوا دون عودة والده إلى مملكته. (د)
فقد إمارته مرة أخرى عندما عاد السلطان أبو عنان واستولى على بجاية بعد موت والده، وصار الأمير يعيش مرة أخرى بعيدا عن بلاده. (ه)
عندما مرض السلطان أبو عنان فكر الأمير محمد بالفرار من فاس لاستعادة إمارته، إلا أن السلطان علم بالأمر وأفسد عليه خطته. (و)
ومع هذا استطاع الأمير أن يغادر فاس بعد موت السلطان المشار إليه، وأن يتوجه نحو مقر إمارته، إلا أنه وجد أن عمه «أبو إسحاق الحفصي» سبقه في الاستيلاء على بجاية، فاضطر إلى محاصرتها، وبذل جهودا جبارة لتخليصها من حكم ذلك العم. (ز)