تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

إني أسلم بأن ابن خلدون ما كان يعرف شيئا كثيرا عن التاريخ القديم بوجه عام، وعن تاريخ الرومان بوجه خاص، ولكني لا أسلم أبدا بأنه كان يعتقد بأن الآثار الرومانية من مباني العمالقة، وأستغرب كل الاستغراب كيف يقدم البروفسور بوتول على اتهام ابن خلدون بما هو براء منه كل البراءة، في هذه القضية؟

في الواقع إن ابن خلدون ذكر الروايات الشائعة بين الناس في هذا الشأن في أربعة فصول مختلفة من المقدمة، ولكنه لم يذكر تلك الروايات إلا ليفندها، ويبرهن على بطلانها. إنه نعتها بالأوهام الباطلة، والأخبار العريقة في الكذب، وقال عنها: «هذا رأي لا وجه له إلا التحكم، وليس له علة طبيعية ولا سبب برهاني» (ص178)، كما قال: «هذا رأي ولع به القصاص عن قوم عاد وثمود» (ص345).

وفضلا عن ذلك إنه تكلم عن العوامل النفسية التي أشاعت أمثال هذه الأوهام في أذهان الناس، وشرح الوسائل التي ساعدت على تشييد المباني العظيمة، مثل الأهرام المصرية، والقناطر الرومانية، وقال بصراحة تامة: إن تلك المباني تيسر تشييدها: (أ)

لأن البناة استعملوا الهندام والمخال التي تضاعف قوة الإنسان. (ب)

ولأن قوة الدولة التي أقدمت على تشييدها كانت ساعدت على حشد عدد كبير من الفعلة لإنجاز أعمال البناء. (ج)

ولأن أعمال الإنشاء استغرقت سنين طويلة، شملت أحيانا عهود عدة ملوك، توالوا على العرش، وواصلوا العمل لإنجاز ما كان بدأ به أسلافهم.

إن رأي ابن خلدون في هذه الأمور صريح كل الصراحة.

ولإزالة الشكوك التي قد تثيرها كلمات البروفسور بوتول في بعض الأذهان، أنقل فيما يلي بعض الفقرات من مقدمة ابن خلدون، بنصوصها الأصلية:

في الفصل الذي يقرر «أن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في أصلها»، يقول ابن خلدون - بعد ذكر بعض المباني والهياكل العظيمة القديمة - ما يلي: «واعلم أن تلك الأفعال للأقدمين إنما كانت بالهندام، واجتماع الفعلة وكثرة الأيدي عليها؛ فبذلك شيدت تلك المصانع والهياكل. ولا تتوهم ما تتوهمه العامة أن ذلك لعظم أجسام الأقدمين عن أجسامنا في أطرافها وأقطارها، فليس بين البشر في ذلك كبير بون، كما نجد بين الهياكل والآثار.» «ولقد ولع القصاص بذلك وتغالوا فيه، وسطروا عن قوم عاد وثمود والعمالقة في ذلك أخبارا عريقة في الكذب، من أغربها ما يحكون عن عوج ابن عناق، رجل من العمالقة الذين قاتلهم بنو إسرائيل في الشام، زعموا أنه لطوله كان يتناول السمك من البحر ويشويه في الشمس» (ص177). «وإنما مثار غلطهم في هذا أنهم استعظموا آثار الأمم، ولم يفهموا حال الدول في الاجتماع والتعاون، وما يحصل بذلك وبالهندام من الآثار العظيمة، فصرفوه إلى قوة الأجسام وشدتها» (ص178).

وفي الفصل الذي يقرر «أن المدن العظيمة والهياكل المرتفعة إنما يشيدها الملك الكثير» يقول ابن خلدون ما يلي: «إن تشييد المدن إنما يحصل باجتماع الفعلة وكثرتهم وتعاونهم، فإذا كانت الدولة عظيمة متسعة الممالك، حشر الفعلة من أقطارها، وجمعت أيديهم على عملها، وربما استعين في ذلك في أكثر الأمر بالهندام الذي يضاعف القوى والقدر في حمل أثقال البناء؛ لعجز القوة البشرية وضعفها عن ذلك» (ص344). «وربما يتوهم كثير من الناس إذا نظر إلى آثار الأقدمين ومصانعهم العظيمة، فيتخيل لهم أجساما تناسب ذلك، ويغفل عن شأن الهندام والمخال وما اقتضته في ذلك الصناعة الهندسية» (ص345). «وأكثر آثار الأقدمين لهذا العهد تسميها العامة عادية بالنسبة إلى قوم عاد؛ لتوهمهم أن مباني عاد ومصانعهم إنما عظمت لعظم أجسامهم وتضاعف قدرهم. وليس كذلك؛ فقد نجد آثارا كبيرة من آثار الذين تعرف مقادير أجسامهم من الأمم، وهي في مثل ذلك العظم أو أعظم.» «وإنما هذا رأي ولع به القصاص عن قوم عاد وثمود والعمالقة» (ص345).

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٥٨