تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قال ابن خلدون في أحد فصول الباب السادس ما نصه: «ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو؟ كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء ممتلئا من الكيس؟ حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاقه في حقيقة إنسانيته وعقله، وليس كذلك, وما ذلك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضرية ما لا يعرفه البدوي» (ص433).

فإذا قلنا - مع كل ذلك - إن ابن خلدون «عدو للحضارة، يرى فيها الشر كله»؛ نكون قد خرجنا عن نطاق آرائه الحقيقية، وتباعدنا عنها بعدا كبيرا.

ثالثا:

لم ينصح ابن خلدون الناس بالعودة إلى البداوة، ولا يوجد في جميع صحائف المقدمة كلمة واحدة تدل على مثل هذه النصيحة.

وذلك لأن ابن خلدون يرى - في حقيقة الأمر - أن الحضارة من الأمور الطبيعية مثل البداوة، ويقرر بصراحة تامة أن النزوع «إلى الدعة والسكون من طبيعة البشر» (ص343)، ويرى أن نزول المدن والأمصار من الأمور التي تقتضيها الطبيعة البشرية.

فالقول - والحالة هذه - إن ابن خلدون ينصح الناس بالعودة إلى البداوة، يخالف أهم وأعم المبادئ المقررة في المقدمة.

ويلوح لي أن الأستاذ محمد صالح كتب ما كتبه في هذا الصدد متأثرا بما هو معلوم عن الرأي الذي كان أبداه جان جاك روسو في أواسط القرن الثامن عشر؛ إنه ادعى أن الحضارة تفسد الأخلاق؛ ولذلك دعى الناس إلى تركها ومحو آثارها.

وأما ابن خلدون فإنه رأى مفاسد الحضارة، ولكنه اكتفى بتسجيل ما لاحظه في هذا الصدد، دون أن يقرن ملاحظاته هذه بدعوة إلى ترك الحضارة؛ لأنه كان يدرك - من تأملاته الاجتماعية العامة - بأن ذلك يكون مخالفا لقوانين الطبيعة.

ومن الغريب أن الدكتور محمد صالح عاد إلى هذه القضية - بوسيلة أخرى - في مقالته الثالثة أيضا، حيث قال: إن ابن خلدون ينصح أهل البادية بعدم سكنى المدن، وإن كل من يتشوف منهم لسكنى المدن «فسريعا ما يظهر عجزه ويفتضح في استيطانه، إلا من تقدم منهم تأثل المال، وتحصل له منه فوق الحاجة» (المجلة المذكورة، ص793).

إن العبارة التي ينقلها الدكتور عن ابن خلدون في آخر هذه الفقرة موجودة في فصل المقدمة المعنون بالعنوان التالي: «في قصور أهل البادية عن سكنى المصر الكثير العمران» (ص365).

وكل من يقرأ الفصل المذكور بإمعان يرى أن ابن خلدون يقرر فيها الأمر الواقع من غير أن يقدم نصيحة ما لأحد. وفضلا عن ذلك إنه لا ينكر على البدوي إمكان سكنى المصر «بعد تأثل المال»، كما جاء في العبارة التي نقلها الدكتور نفسه.

ومما هو جدير بالذكر والملاحظة في هذه القضية أن ابن خلدون يقول - عقب تلك العبارة مباشرة: «ويجري إلى الغاية الطبيعية لأهل العمران من الدعة والترف، فحينئذ ينتقل إلى المصر، وينتظم حاله مع أحوال أهله في عوائدهم وترفهم» (ص365).

فكيف يجوز أن يقال - والحالة هذه - إن ابن خلدون ينصح أهل البادية بعدم سكنى المدن؟!

| أقسى الأحكام على مقدمة ابن خلدون

إن أقسى الأحكام على مقدمة ابن خلدون قرأتها في مقالة صادرة من قلم كاتب عربي ذائع الصيت؛ الأستاذ محمد فريد وجدي.

فقد نشر في مجلة المقتطف، سنة 1932، مقالة تحت عنوان «ابن خلدون في الميزان»، وذلك بمناسبة مرور ستمائة عام على ولادته.

وادعى الأستاذ محمد فريد وجدي في مقالته هذه:

أولا:

أن ابن خلدون نفسه يعترف بأنه «نسج على منوال المسعودي والطرطوشي وغيرهم، وأنه مسبوق بهم ومقلدهم.»

ثانيا:

أن مقدمة ابن خلدون ليست من فلسفة التاريخ، ولا من علم الاجتماع في شيء، بل إنما هي مجموعة أخطاء.

فلننعم النظر في هذه المزاعم والمدعيات. •••

قال الأستاذ محمد فريد وجدي: «بعد أن ذكر ابن خلدون ما ذكره من أنه واضع هذا العلم ومؤصل أصوله، وأنه لم يسبقه أحد إلى مثله، عاد فاعترف بأنه مقلد فيه وناسج على منوال غيره» (المقتطف، سنة 1932، ص1238). «والقارئ يفهم من هذا أن المسعودي والطرطوشي وغيرهما قد سبقوا ابن خلدون إلى هذا الفرع من العلم، وبوبوا كتبهم على مثال ما فعل هو، ولكنهم اقتصروا فيها على عصورهم، فجاء هو ناسجا على منوالهم، وهذا كله يدل على أن ابن خلدون يعترف لغيره بالسبق، ولكنه زاد عليهم في الإتقان، وبزهم في التدليل والتمحيص، فكيف يتفق هذا وقوله إنه اخترعه إلهاما؟»

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٤٧