إن الكتاب المذكور هو أوسع الدراسات العامة التي ظهرت عن ابن خلدون في اللغة العربية، فمؤلفه يستحق التقدير والثناء على هذه الخدمة العظيمة.
غير أن تقديرنا لخدمة الأستاذ عنان في هذا المضمار لا يمنعنا من انتقاده بشدة على الرأي الخاص الذي سرده في الكتاب المذكور عن نسب ابن خلدون.
فلنتتبع رأي الأستاذ عنان في هذه القضية بتفصيل.
يقول الأستاذ أولا في فصل «نشأة ابن خلدون» ما يلي: «يرجع ابن خلدون أصله إلى عرب اليمانية في حضرموت، ونسبه إلى وائل بن حجر، ويعتمد في ذلك على رواية النسابة الأندلسي ابن حزم.» «فابن خلدون طبقا لهذه النسبة سليل أصل من أعرق الأصول العربية اليمانية.» «ولكن هناك ما يحمل على الشك في صحة هذا النسب البعيد الذي يدونه ابن حزم لأول مرة في القرن الخامس الهجري، ويقوي هذا الشك لدينا ما نعرفه من ظروف الخصومة والتنافس بين العرب والبربر في الأندلس» (ص13). «وهناك أيضا ما يبعث على التأمل في تعلق ابن خلدون بهذه النسبة العربية؛ وهو أنه في مقدمته يضطرم نحو العرب بنزعة قوية من الخصومة والتحامل، بينا نراه في مكان آخر من تاريخه يمتدح البربر ويشيد بخلالهم وصفاتهم» (ص14).
يعود الأستاذ عنان إلى هذه القضية في الفصل الذي يتكلم فيه عن «علم العمران كما يعرضه ابن خلدون»، عندما يشرح رأي ابن خلدون في العرب، قائلا: «ثم يحدثنا ابن خلدون عن العرب، وحديث ابن خلدون عن العرب طريف شائق، رغم ما يطبعه من شدة وتحامل؛ فالعرب في نظره أمة وحشية، تقوم فتوحهم على النهب والعيث، ولا يتغلبون إلا على البسائط السهلة، ولا يقومون على اقتحام الجبال أو الهضبات لصعوبتها، وإذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب» (ص112).
وبعد إتمام هذا التلخيص على هذا المنوال يقول: «إذا كان ابن خلدون يعتمد في هذه الحملة على كثير من الأدلة والملاحظات الصادقة، فإنه مع ذلك يبالغ في حكمه على العرب، وتعوزه الحجة في كثير من آرائه، لا يتسع هنا المقام لمناقشته وتفنيد آرائه بإفاضة» (ص113).
ثم يذكر بعض الوقائع التاريخية التي تفند الآراء المذكورة، وبعد ذلك يسعى إلى «تعليل حملة ابن خلدون» هذه قائلا: «قد نفهم سر هذا التحامل الذي يطلق رأي ابن خلدون في العرب بمثل هذه الشدة، إذ ذكرنا أنه - رغم انتسابه إلى أصل عربي - ينتمي في الواقع إلى ذلك الشعب البربري الذي افتتح العرب بلاده بعد مقاومة عنيفة، وفرضوا عليه دينهم ولغتهم، واضطروه بعد طول النضال والمقاومة والانتقاض أن يندمج أخيرا في الكتلة الإسلامية، وأن يخضع راغما لرياسة العرب في إفريقية وإسبانيا، حتى تحين الفرصة لتحرره ونهوضه. والخصومة بين العرب والبربر في أفريقيا وإسبانيا شهيرة في التاريخ الإسلامي، وقد ورث البربر بغض العرب من بعيد. ونشأ ابن خلدون وترعرع في هذا المجتمع البربري، يضطرم بمشاعره وتقاليده وذكرياته، ونشأت فيه أسرته قبل ذلك بمائة عام، ونعمت برعاية الموحدين البرابرة، وتقلبت في نعمهم. فليس غريبا بعد ذلك أن نسمع منه أشد الأحكام وأقساها على العرب» (ص113-114).
ولهذا السبب يزعم الأستاذ عنان أن ابن خلدون «ينطق هنا بلسان الوطن البربري الذي غزاه العرب، وأثخنوا فيه مدى أحقاب، وبسطوا عليه سلطانهم الديني والسياسي، ولبث عصورا يقاتل في سبيل حرياته واستقلاله» (ص114).
وفي الأخير يعود الأستاذ عنان إلى هذه القضية مرة أخرى في فصل «كتاب العبر» أيضا. إنه يلاحظ أن ابن خلدون يفرد في تاريخ البربر فصلا خاصا للتكلم على خلال البربر، فيقول: «لم يعقد ابن خلدون مثل هذا الفصل للتحدث عن خلال أية أمة من الأمم الأخرى، فهو هنا ينم عن هوى خاص، ونعرة بربرية واضحة، وفي ذلك أيضا ما يفسر لنا صرامته في الحملة على العرب، غزاة إفريقية المتغلبين عليها» (ص134).