تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنها كانت من جملة المشاريع الفكرية التي وضعتها لنفسي، بغية إنجازها في الوقت الذي أتخلص فيه من أعباء الأعمال الرسمية، وأتفرغ إلى الدرس والتأليف في المسائل التربوية والاجتماعية.

إن ظروف السنة الأخيرة قد رفعت عن عاتقي أعباء الأعمال الرسمية، فمنحتني الوقت اللازم لتحقيق هذا المشروع، غير أنها - في الوقت نفسه - أبعدتني عن كتبي وأوراقي، فحرمتني من وسائل تحقيق أمنيتي بالإحاطة التي كنت أستعد لها، والدقة التي كنت أتوخاها.

ومع هذا، فقد رأيت أن أشغل أوقاتي بكتابة بعض الدراسات عن مقدمة ابن خلدون، بقدر ما تسمح لي الذاكرة من جهة، وبقدر ما تساعدني المراجع التي أستطيع الحصول عليها في ظروفي الحالية من جهة أخرى، آملا أن تكون هذه الدراسات ممهدة للدراسة التامة التي لا أزال أمني النفس بها.

فمن أجل ذلك أقدمت على كتابة هذه الدراسات على شكل مقالات متفرقة.

ولما تجمعت لدي هذه الكمية منها رأيت أن أنشرها؛ لاعتقادي بأنها ستكون مفيدة في حالتها الحاضرة أيضا.

وإذا سمحت لي الظروف - في المستقبل - لاستئناف العمل فيها، وإدماجها في الدراسة التامة التي ذكرتها؛ فسأكون مغتبطا بإكمال المشروع الذي كنت قد وضعت خططه منذ سنين عديدة.

وإلا فسأكون قد قدمت «بعض النماذج» و«بعض الخطط» لدراسات علمية عن مقدمة ابن خلدون، يستطيع أن يستفيد منها كل من يقدم على مطالعة المقدمة بإمعان، كما يستطيع أن ينسج على منوالها ويقوم على إتمامها كل من يريد التوسع والتعمق في دراسة هذه المقدمة الخالدة دراسة علمية شاملة.

وحسبي هذا خدمة لذكرى مؤلفها العظيم.

بيروت، 20 كانون الأول 1942

إن الظروف التي تلت كتابة هذه الكلمة لم تسمح لي بالإقدام على الدراسة التامة التي كنت أمني النفس بها، ولكنها ساعدتني على مواصلة الأبحاث وكتابة الدراسات، ولو بصورة متفرقة ومتقطعة:

خلال سنة 1943 اشتغلت بالإشراف على طبع الجزء الأول من الدراسات من ناحية، وبكتابة بعض الدراسات الجديدة من ناحية أخرى.

وفي سنة 1944 قدمت إلى المطبعة الدراسات التي كونت الجزء الثاني، وشرعت في كتابة دراسات أخرى؛ بغية إعداد الجزء الثالث منها.

ولكن قبل الانتهاء من ذلك وجدت نفسي أمام ظروف وواجبات جديدة، ألقت على عاتقي سلسلة مهام - أولا في سوريا ثم في مصر - استأثرت بكل جهودي وأوقاتي، فأبعدتني عن مقدمة ابن خلدون، ولم تسمح لي بالعودة إلى دراستها إلا منذ أوائل السنة الماضية.

ولما كانت نسخ الجزأين المطبوعين قبلا قد نفدت منذ مدة طويلة، رأيت أن أضم تلك الدراسات إلى دراساتي الجديدة في كتاب واحد، مع إعادة النظر في ترتيبها وتبويبها حسب ما يقتضيه هذا الضم والتوحيد.

وفي ختام الكلمة أود أن أصرح بأن مجموعة الدراسات التي أقدمها في هذا الكتاب لا تزال في حالة مقالات مستقلة، تناولت كل واحدة منها دراسة المقدمة من ناحية خاصة، وهي لا تزال في حالة خطط ونماذج لدراسات علمية عن مقدمة ابن خلدون، «يستطيع أن يستفيد منها كل من يقدم على دراسة المقدمة بإمعان، كما يستطيع أن ينسج على منوالها ويقدم على إتمامها كل من يريد التوسع والتعمق في دراسة هذه المقدمة الخالدة دراسة علمية شاملة»، كما قلت ذلك عند نشر المجموعة الأولى من هذه الدراسات.

أبو خلدون

ساطع الحصري

القاهرة، 3 تشرين الثاني 1952

اللوحة 1: ابن خلدون كما تخيله جبران خليل جبران.

اللوحة 2: ابن خلدون كما تخيله رسام آخر.

الدار التي ولد فيها ابن خلدون.

تشغلها الآن المدرسة الإدارية.

اللوحة 3.

المسيد الذي درس فيه ابن خلدون عندما كان صغيرا.

يعرف باسم مسيد القبة.

اللوحة 4.

| توطئة

1

دراسات عن مقدمة ابن خلدون!

أسطر هذه الكلمات وكأني أسمع همس معترض يعترض علي قائلا:

دراسات عن مقدمة ابن خلدون؟ ولماذا اخترت هذا الموضوع المبتذل المعاد؟ إن مقدمة ابن خلدون منتشرة بين أيدي جميع المتنورين من الناطقين بالضاد، وقد كتب الدكتور طه حسين أطروحة عن «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، كما نشر الأستاذ عبد الله عنان كتابا عن «ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري»، وقد نشر عدد غير قليل من المفكرين والكتاب عددا لا بأس به من البحوث والفصول والمقالات عن ابن خلدون ومقدمة ابن خلدون في مختلف الكتب والجرائد والمجلات. فلا نتعدى الحقيقة إذا قلنا: ما من مفكر ولا مؤرخ عربي حظي من كثرة الذكر وذيوع الصيت بما حظي به ابن خلدون، فما الفائدة من العودة إلى هذا الموضوع بعد جميع هذه الكتابات والنشرات؟ ألم يكن من الأجدر بك ومن الأوفق لمصلحة قرائك أن تنتخب موضوعا آخر أكثر جدة وطرافة من هذا الموضوع؟

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢