تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن «ملكة البلاغة في اللسان تهدي البليغ إلى وجود النظم وحسن التركيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم، ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا عن هذه السبل المعينة، والتراكيب المخصوصة لما قدر عليه، ولا وافقه عليه لسانه؛ لأنه يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده. وإذا عرض عليه الكلام حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم؛ أعرض عنه ومجه، وعلم أنه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم، وربما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما يفعل أهل القوانين النحوية والبيانية» (ص562). (ج)

يرجع في صناعة الشعر «إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية - باعتبار انطباقها على تركيب خاص - وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها، ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال، ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب - باعتبار الإعراب والبيان - فيرصها فيها رصا، كما يفعله البناء في القالب والنساج في المنوال» (ص571). (د) «وهذه الأساليب التي نقررها ليست من القياس في شيء، إنما هي هيئة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب لجريانها على اللسان، حتى تستحكم صورتها، فيستفيد بها العمل على مثالها، والاحتذاء بها في كل تركيب من الشعر» (ص572). «إن مؤلف الكلام كالبناء أو النساج، والصورة الذهنية المنطبقة كالقالب الذي يبنى فيه، أو المنوال الذي ينسج عليه» (ص572).

إن الأساليب المستعملة في لسان العرب لا يعرفها «إلا من حفظ كلامهم حتى يتجرد في ذهنه من القوالب المعينة قالب كلي مطلق، يحذو حذوه في التأليف، كما يحذو البناء على القالب، والنساج على المنوال» (ص572-573). «نعم، إن مراعاة قوانين هذه العلوم (أي علوم النحو والبيان والعروض) شرط فيه لا يتم بدونها، فإذا تحصلت هذه الصفات كلها في الكلام؛ اختص بنوع من النظر لطيف في هذه القوالب التي يسمونها أساليب، ولا يفيده إلا حفظ كلام العرب نظما ونثرا» (ص573). «إن المحصل لهذه القوالب في الذهن إنما هو حفظ أشعار العرب وكلامهم، وهذه القوالب كما تكون في المنظوم تكون في المنثور» (ص573). (ه) «اعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطا؛ أولها الحفظ من جنسه - أي من جنس شعر العرب - حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها، ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب، وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي فيه شعر شاعر من فحول الإسلاميين، وأكثرها شعر كتاب الأغاني» (ص574). «ثم بعد الامتلاء عن الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال، يقبل على النظم، وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ. وربما يقال من شرطه نسيان ذلك المحفوظ؛ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة، إذ هي صادرة عن استعمالها بعينها، فإذا نسيها - وقد تكيفت النفس بها - انتقش الأسلوب فيها كأنه منوال يؤخذ بالنسج عليه بأمثالها من الكلمات الأخرى» (ص574). (و) «إن حصول ملكة الشعر بكثرة الحفظ، وجودتها بجودة المحفوظ. لا بد من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربي، وعلى قدر جودة المحفوظ تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ.» «وعلى مقدار المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال من بعده، ثم إجادة الملكة من بعدهما. فبارتقاء المحفوظ في طبقته من الكلام؛ ترتقي الملكة الحاصلة؛ لأن الطبع إنما ينسج على منوالها، وتنمو قوى الملكة بتغذيتها» (ص574). (4)

يلاحظ أن الآراء التي يبديها ابن خلدون في هذا الصدد تنطوي على ملاحظات نفسية دقيقة وقيمة.

إننا نود أن نلفت الأنظار - بوجه خاص - إلى الأقسام التالية منها:

أولا:

في آخر الفقرة «أ» المنقولة آنفا، يصف ابن خلدون حالة من يحصل على ملكة البلاغة، ويقول إنه إذا سمع تركيبا غير جار على منحى البلاغة التي للعرب؛ مجه بأدنى فكر، بل وبغير فكر.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٩٦