إن هذا المبدأ لا يختص بالصنائع العملية وحدها، بل يشمل الأعمال الفكرية؛ ولذلك يعقب ابن خلدون على العبارة الأخيرة بقوله: «حتى إن أهل العلم الذين ملكتهم فكرية، فهم بهذه المثابة، ومن حصل منهم على ملكة علم من العلوم وأجادها في الغاية، فقل أن يجيد ملكة علم آخر على نسبته، بل يكون مقصرا فيه إن طلبه، إلا في أقل النادر من الأحوال» (ص405).
يطبق ابن خلدون هذا المبدأ على شئون اللغة والأدب أيضا، فيقرر في أحد فصول الباب السادس «أن الذوق لا يحصل غالبا لمستعربين من العجم» (ص562). كما يقرر في فصل آخر من الباب المذكور «أن أهل الأمصار قاصرون في تحصيل ملكة اللسان المضري» (ص564). وفي فصل آخر: «ولا تتفق الإجادة في فني المنظوم والمنثور معا إلا للأقل» (ص568).
ويقول كذلك في أحد الفصول الناقصة في طبعات البلاد العربية: «إن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي» (طبعة كاترمير، ج3، ص274-287). ويستند في شرح وتعليل ذلك كله إلى القاعدة التي ذكرناها آنفا.
وزد على ذلك أنه يطبق المبدأ المذكور على قضايا الأخلاق أيضا في بعض الأحيان: «إن الأفعال لا بد من عود آثارها على النفس؛ فأفعال الخير تعود بآثار الخير والذكاء، وأفعال الشر تعود بضد ذلك، فتتمكن وترسخ إن سبقت وتكررت، وتنقص خلال الخير إن تأخرت عنها بما ينطبع من آثارها المذمومة من النفس، شأن الملكات الناشئة عن الأفعال» (ص399). «إن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير وشر.» «وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر، ويصعب عليها اكتسابه؛ فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير، وحصلت لها ملكته؛ بعد عن الشر، وصعبت عليه طريقه. وكذا صاحب الشر، إذا سبقت إليه أيضا عوائده» (ص123). (6)
لا شك أن نظرية ابن خلدون هذه تنطوي على ملاحظات صائبة وهامة جدا، غير أنها لا تنطبق على الحقائق تماما إذا أطلقت إطلاقا.
ويظهر لنا أن ابن خلدون نفسه كان قد لاحظ بعض الأمور التي تنافي هذه القاعدة بعض المنافاة، فتستوجب تقييدها ببعض القيود.
لأنه قد قرر أن «كل صناعة مرتبة، يرجع منها إلى النفس أثر يكسبها عقلا جديدا، تستعد به لقبول صناعة أخرى، يتهيأ بها العقل بسرعة الإدراك للمعارف» (ص433).
ولا شك أن في هذه القضية ما يقيد ويتمم القاعدة الآنفة الذكر؛ إن إجادة صناعة من الصناعات قد تحول دون الإجادة في الصناعات الأخرى، غير أنها قد تكون مرحلة تعد النفس لقبول صناعة أخرى. ومن الطبيعي أن ذلك يختلف باختلاف أنواع تلك الصناعات.
هذا ولا بد لنا من أن نشير في هذا المقام إلى ما يقرره ابن خلدون عن زيادة العقل من جراء كثرة العلوم والصنائع: «إن حسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية، يزيد الإنسان ذكاء في عقله، وإضاءة في فكره، بكثرة الملكات الحاصلة للنفس؛ إذ قدمنا أن النفس إنما تنشأ بالإدراكات وما يرجع إليها من الملكات، فيزدادون بذلك كيسا لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية» (ص433).
إننا نعتقد أن هذه الملاحظة أيضا تقيد وتتمم القاعدة المذكورة آنفا.
فيجب علينا أن ننظر إلى هذه الأبحاث كملاحظات متممة لنظرية الملكات بوجه عام، ونظرية «عدم ازدحام الملكات» بوجه خاص.
ولا نرانا في حاجة إلى القول بأن نظرية الملكات التي لخصناها آنفا لهي من أهم الأسس التي يبني عليها ابن خلدون آراءه في التربية والتعليم.
4
وأما الملاحظات النفسية المتفرقة المبثوثة في مختلف فصول المقدمة فكثيرة ومتنوعة؛ ولذلك رأينا أن نكتفي باستعراض أهمها، كما يلي: (أ)
يلاحظ ابن خلدون أن النفس تبتهج من الإدراك: «كل مدرك له ابتهاج بما يدركه، واعتبره بحال الصبي في أول مداركه الجسمانية، كيف يبتهج بما يبصره من الضوء، وبما يسمعه من الأصوات» (ص517). (ب)