تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الفكر الإنساني هذا على ثلاث مراتب؛ كل مرتبة منها تدل على نوع خاص من العقل؛ العقل التمييزي، والعقل التجريبي، والعقل النظري.

العقل التمييزي: يدرك الأشياء الخارجية وخواصها، ويضمن جلب منافعها ودفع مضارها.

والعقل التجريبي: يميز لصالح من الفاسد في معاملة أبناء الجنس، ويقرر «ما يجب وما ينبغي فعلا وتركا» خلال تلك المعاملات.

والعقل النظري: يفيد «العلم أو الظن بمطلوب وراء الحس، لا يتعلق به عمل»، ويضمن «تصور الموجودات» على ما هي عليه «غائبا وشاهدا». وأما «غاية إفادته» فهي «تصور الوجود على ما هو عليه، بأجناسه وفصوله وأسبابه وعلله.» «إن «الحقيقة الإنسانية» إنما تتم بهذا النوع من العقل وبهذه المرتبة من الفكر» (طبعة كاترمير، ج2، ص364).

2

هذه هي الخطوط الأساسية لنظرية «النفس الإنسانية» التي تلوح للأنظار من ثنايا الفصول المختلفة في مقدمة ابن خلدون.

يلاحظ أنها لا تخرج - من حيث الأساس - عن نطاق الآراء الشائعة بين مفكري الإسلام في عهد ابن خلدون، ومن المعلوم أنها تنحدر من نظرية أرسطو في النفس.

فنستطيع أن نقول إن ابن خلدون قد اقتدى بأسلافه واتبعهم في هذا الأمر، وقبل كل ما كان يقول به معاصروه في هذا الصدد، وكلما احتاج إلى «دليل نفسي» في أبحاثه الاجتماعية؛ رجع إلى الآراء التي كانت منتشرة في زمانه، واقتبس منها ما شاء اقتباسه من الحجج والبراهين.

ومع هذا كله فقد توصل ابن خلدون - بنظره الثاقب وحدسه العبقري - إلى بعض الملاحظات القيمة في الحوادث النفسية، ودون بعض الآراء الطريفة داخل نطاق هذه النظرية القديمة.

إن طائفة من هذه الآراء تظهر منفردة ومتفرقة، غير أن بعضها ينسجم في سلك نظريات عامة مبتكرة.

ولعل أطرف هذه الآراء هي النظرية التي وضعها ابن خلدون عن «عمل الفكر واليد» في حياة الإنسان.

يتكلم ابن خلدون في عدة مواضع من المقدمة عن خصائص الإنسان، ويمعن النظر في الفروق التي تميزه من الحيوان.

إن الإنسان من «جنس الحيوان»، ولكنه يمتاز عن سائر الحيوانات بعدة خصائص، منها؛ «الفكر والنطق»، و«العلوم والصنائع» (ص40)، ومنها «الحاجة إلى الحكم الوازع والسلطان القاهر، ومنها السعي في المعاش والاعتمال لتحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه، ومنها العمران، أي التنازل والتساكن في مصر أو حلة للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات» (ص40).

يلاحظ ابن خلدون أن هذه الفروق لم تكن مطلقة كل الإطلاق؛ لأن الاجتماع والحكم من الأمور التي تشاهد عند بعض الحيوانات العجم أيضا؛ مثلا يوجد عند النحل والجراد نوع «من الحكم والانقياد لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه» (ص43)، غير أن ابن خلدون يلاحظ في الوقت نفسه أن ذلك موجود «لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية، لا بمقتضى الفكرة والسياسة» (ص43)، وأن كل ذلك يحصل للحيوانات المذكورة «بطريق إلهامي لا بفكر وروية» كما يحدث للإنسان (ص41).

ومن الواضح الجلي أن ما يقصده ابن خلدون من «الفطرة والهداية والإلهام» في هذا المقام، يقابل تماما ما نسميه اليوم تارة باسم «الغريزة»، وطورا باسم «سوق الطبيعة»، كما أن ما يعانيه من «الفكرة والسياسة والروية» في هذا المضمار يقابل ما نسميه باسم العقل والذكاء.

يظهر من ذلك أن ابن خلدون يميز العقل من الغريزة، والأفعال المفكورة الإرادية من الأفعال الانسياقية الاضطرارية، فنجده يقرر - لذلك - «أن أفعال الإنسان تصدر بالفكر والروية لا بالطبع» (ص390)، ويرد - بهذه الصورة - الفروق التي تلاحظ بين الإنسان والحيوان من جهة «الاجتماع والحكم» أيضا إلى عامل «الفكر».

هذا ويقرر ابن خلدون من جهة أخرى «أن العلوم نتيجة الفكر، و«أن الصنائع محصول اليد في خدمة الفكر.»

ولذلك نستطيع أن نقول إن جميع الفروق التي تميز الإنسان من الحيوان ترجع - في نظر ابن خلدون - إلى هذين العاملين الأساسيين؛ الفكر واليد؛ الفكر الذي يدرك الكليات ويتناولها بالتحليل والتركيب، واليد التي تعمل في خدمة الفكر.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٧٥