ثم يذكر ابن خلدون الخطة التي كان قد اتخذها ملوك الغرب من ضرب المصاف باستخدام جنود من طائفة الإفرنج: «ولما ذكرناه من ضرب المصاف وراء العساكر، وتأكده في قتال الكر والفر؛ صار ملوك المغرب يتخذون طائفة من الإفرنج في جندهم، واختصوا بذلك؛ لأن قتال أهل وطنهم كله بالكر والفر، والسلطان يتأكد في حقه ضرب المصاف ليكون ردءا للمقاتلة أمامه، فلا بد من أن يكون أهل ذلك الصف من قوم متعودين للثبات في الزحف، وإلا أجفلوا على طريقة أهل الكر والفر؛ فانهزم السلطان والعساكر بإجفالهم. فاحتاج الملوك بالمغرب أن يتخذوا جندا من هذه الأمة المتعودة الثبات في الزحف وهم الإفرنج، ويرتبون مصافهم المحدق بهم منها، هذا على ما فيه من الاستعانة بأهل الكفر. إنهم استخفوا ذلك للضرورة التي أريناكها من تخوف الإجفال على مصاف السلطان، والإفرنج لا يعرفون غير الثبات في ذلك؛ لأن عادتهم في القتال الزحف، فكانوا أقوم بذلك من غيرهم. مع أن الملوك في المغرب إنما يفعلون ذلك عند الحرب مع أمم العرب والبربر، وقتالهم على الطاعة. وأما في الجهاد فلا يستعينون بهم حذرا من ممالأتهم على المسلمين، هذا هو الواقع لهذا العهد» (ص274). (8)
بعد هذه التفاصيل حول طرائق الحرب في المغرب، يذكر ابن خلدون ما بلغه عن طرق القتال عند أمم الترك: «وبلغنا أن أمم الترك لهذا العهد، قتالهم مناضلة بالسهام، وأن تعبئة الحرب عندهم بالمصاف، وأنهم يقسمون بثلاثة يضربون صفا وراء صف، ويترجلون عن خيولهم، ويفرغون سهامهم بين أيديهم، ثم يتناضلون جلوسا، وكل صف ردء للذي أمامه أن يكبسهم العدو، إلى أن يتهيأ النصر لإحدى الطائفتين على الأخرى، وهي تعبئة محكمة غريبة» (ص274-275). (9)
ثم يعود إلى طرائق الحرب العامة، ويصف طريقة «حفر الخنادق على المعسكرات»، ويبين فوائد تلك الخنادق وغاياتها: «كان من مذاهب الأول في حروبهم حفر الخنادق على معسكرهم عندما يتقاربون للزحف؛ وذلك حذرا من معرة البيات والهجوم على العسكر في الليل؛ لما في ظلمته ووحشته من مضاعفة الخوف، فيلوذ الجيش بالفرار، وتجد النفوس في الظلمة سترا من عاره، فإذا تساووا في ذلك أرجف العسكر ووقعت الهزيمة.» «فكانوا لذلك يحتفرون الخنادق على معسكرهم إذا نزلوا وضربوا أبنيتهم، ويديرون الحفائر نطاقا من جميع جهاتهم؛ حرصا أن يخالطهم العدو بالبيات فيتخاذلوا» (ص275).
يلاحظ أن التعليلات التي يسردها ابن خلدون في هذا الصدد تنطوي على ملاحظات نفسية قيمة؛ فإنها تشير أولا إلى أثر الإجفال والإرجاف في الحروب، وهو ما يعرف بال
panique ، ثم إنها تقرر تأثير الليل في نفوس الجنود؛ إن ظلمة الليل تضاعف الخوف، وتحفز إلى الفرار، كما أن هذه الظلمة تكون في نظر الجنود سترا من عار الفرار، وتسهل عليهم الإقدام على الفرار. يظهر من ذلك كله أن ابن خلدون قد انتبه إلى تأثير العدوى المعشرية، وعمل الرأي العام في مقاومة الجنود أو انهزامهم. (10)
يعلمنا ابن خلدون بعد ذلك أن طريقة حفر الخنادق أيضا أهملت في زمانه، ويعزو أسباب هذا الإهمال إلى صغر الدول؛ وذلك لأن أمثال هذه الأعمال العسكرية مما لا يمكن إنجازها إلا بكثرة الأيدي العاملة والمحاربة: «وكانت للدول في أمثال هذا قوة، وعليه اقتدار باحتشاد الرجال وجمع الأيدي عليه في كل منزل من منازلهم، بما كانوا عليه من وفور العمران وضخامة الملك، فلما خرب العمران، وتبعه ضعف الدولة وقلة الجنود وعدم الفعلة، نسي هذا الشأن جملة كأنه لم يكن» (ص275).
ثم يذكر ابن خلدون «وصية علي - رضي الله عنه - وتحريضه لأصحابه يوم صفين»؛ لأنه يجد فيها الشيء الكثير «من علم الحرب»، ويقول: «لم يكن أحد أبصر بها منه» (ص275).
كما أنه يذكر ما قاله الأشتر يومئذ تحريضا للأزد، ثم ينقل قسما من القصيدة التي كتبها «أبو بكر الصيرفي، شاعر لمتونة وأهل الأندلس»، يمدح بها تاشفين بن علي بن يوسف، و«يصف ثباته في حرب شهدها»؛ لأن القصيدة المذكورة تتضمن «من الوصايا والتحذيرات ما يساعد على معرفة الشيء الكثير من أمور الحرب، وسياسة الحرب» (ص275).