تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الخدع التي تضمن الظفر والغلب على الدولة المستقرة لا تعمل عملها دفعة، بل إنها تحتاج إلى زمان، كما يتضح من التفاصيل التالية:

أولا: «إن العوائد المألوفة» تصير طاعة الدولة المستقرة «ضرورية واجبة»، كما تقدم في غير موضع؛ «فتكثر بذلك العوائق لصاحب الدولة المستجدة». والتغلب على تلك العوائد والعوائق إنما يتطلب زيادة الهمم من أتباعه وأهل شوكته، ويحتاج إلى زمان. «وإن كان الأقربون من بطانة صاحب الدولة المستجدة على بصيرة في طاعته ومؤازرته»، إلا أن الآخرين يكونون تحت تأثير «عقائد التسليم للدولة المستقرة، فيحصل بعض الفتور منهم»، ولا يكاد صاحب الدولة المستجدة «يقاوم صاحب الدولة المستقرة»،

2

ويرجع إلى الصبر والمطاولة، حتى يتضح هرم الدولة المستقرة، وتضمحل عقائد التسليم لها من قومه، وتنبعث منهم الهمم لصدق المطالبة معه؛ فيقع الظفر والاستيلاء» (ص299).

ثانيا:

إن الدولة المستقرة تكون - عادة - «كثيرة الرزق بما استحكم لهم من الملك وتوسع النعيم واللذات، واختصوا به دون غيرهم من أموال الجباية، فيكثر عندهم ارتباط الخيول، واستجادة الأسلحة، ويعظم فيهم الأبهة الملكية، ويفيض العطاء بينهم من ملوكهم اختيارا واضطرارا؛ فيرهبون بذلك كله عدوهم»، في حين أن «أهل الدولة المستجدة بمعزل عن ذلك؛ لما هم فيه من البداوة وأحوال الفقر والخصاصة، فتسبق إلى قلوبهم أوهام الرعب بما يبلغهم من أحوال الدولة المستقرة، ويحجمون عن قتالهم من أجل ذلك؛ فيصير أمرهم إلى المطاولة، حتى تأخذ المستقرة مأخذها من الهرم، ويستحكم الخلل فيها من العصبية والجباية، فينتهز حينئذ صاحب الدولة المستجدة فرصته في الاستيلاء عليها»، وذلك بعد مرور مدة على بدء المطالبة (ص299).

ثالثا:

يصعب على أهل الدولة المستجدة أن يطلعوا على أحوال الدولة المستقرة اطلاعا يضمن لهم إصابة الغرة؛ وذلك لأن «أهل الدولة المستجدة كلهم مباينون للدولة المستقرة بأنسابهم وعوائدهم وسائر مناصبهم، ثم هم مفاخرون لهم، ومنابذون بما وقع من هذه المطالبة وبطمعهم في الاستيلاء. فتتمكن المباعدة بين أهل الدولتين سرا وجهرا، ولا يصل إلى أهل الدولة المستجدة خبر عن أهل الدولة المستقرة يصيبون منه غرة باطنا وظاهرا؛ لانقطاع المداخلة بين الدولتين فيقيمون على المطالبة» وهم في إحجام، و«ينكلون عن المناجزة» (ص300).

ويستمر الحال على هذا المنوال من المطالبة إلى أن يزداد الخلل في جميع جهات الدولة المستقرة، ويتضح لأهل الدولة المستجدة مع الأيام ما كان يخفى عنهم من هرمها وتلاشيها.

والدولة المستجدة تقتطع من الدولة المستقرة بعض أعمالها وأطرافها مرة بعد أخرى، ولكل مرة تعظم قوة الدولة المستجدة وتنقص قوة المستقرة بطبيعة الحال، وإذا استمرت الأمور على هذا المنوال مدة من الزمن، «تنبعث همم» أهل الدولة المستجدة «يدا واحدة للمناجزة، ويذهب ما كان بث في عزائمهم من التوهمات، وتنتهي المطاولة إلى حدها، ويقع الاستيلاء آخرا بالمعاجلة» (ص300).

بعد سرد هذه الدلائل والملاحظات العقلية يستشهد ابن خلدون بسلسلة من الوقائع التاريخية، ويذكر ما حدث من أمثال ذلك في الدول الإسلامية المختلفة، منذ قيام بني العباس على الدولة الأموية، مشيرا إلى مطالبات وفتوحات العلويين والعبيديين والسلجوقيين والمرابطين والموحدين. وبعد ذلك يقول: «فهكذا حال الدولة المستجدة مع المستقرة في المطالبة والمطاولة، سنة الله في عباده، ولن تجد لسنة الله تبديلا» (ص301).

ولكنه يلاحظ في الوقت نفسه أن هناك واقعة تاريخية منافية لما قرره في هذا الصدد؛ وهي الفتوحات التي حدثت في صدر الإسلام، ومع هذا إنه يبقى متمسكا بالقانون الذي قرره؛ لأنه يعتقد أن تلك الفتوحات كانت من آثار المعجزات: «ولا يعارض ذلك بما وقع في الفتوحات الإسلامية، وكيف كان استيلاؤهم على فارس والروم لثلاث أو أربع من وفاة النبي

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٦٢