تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يكتفي ابن خلدون بسرد هذه القواعد العامة، بل يطبقها على بعض الأخبار، ويستعرض سلسلة من الروايات والأخبار المتنوعة عن الأزمنة الماضية (ص10-27، و36-37).

5

وأما تعليل الوقائع - بعد التأكد من صحتها - والبحث في «أسباب حدوثها وتزاحمها وتعاقبها»، فابن خلدون يعتبر ذلك من أهم واجبات المؤرخين، ويؤكد ضرورتها عدة مرات، غير أنه لا يفكر في تدوين قواعد هذا التعليل، ولا يحاول تعيين طرقه ومناهجه، ومع هذا فإنه يقدم على تعليلات كثيرة في معظم فصول المقدمة، وإذا استعرضنا التعليلات المسطورة في تلك الفصول؛ وجدنا أنها تسير - في الأكثر - على طريقة استقرائية؛ إنها تعتمد على استقراء الوقائع والحادثات، وتشمل استقراءاتها هذه إلى ما يحدث في الحال الحاضر، أو ما حدث في الماضي القريب من جهة، وإلى ما حدث في الأزمنة الغابرة من جهة أخرى.

إن الدراسات التالية ستعطي نماذج عديدة على التعليلات المذكورة، وستسعى إلى تعيين قيم التعليلات من الوجهة العلمية.

| طبيعة الاجتماع ومنشأ الحكم

يقرر ابن خلدون في المقدمة الأولى من الباب الأول ثلاثة مبادئ أساسية: (أ)

ضرورة الاجتماع للبشر، واستحالة معيشتهم منفردين. (ب)

ضرورة وجود الوازع للبشر، وامتناع بقائهم بلا وازع يدفع عدوان بعضهم عن بعض. (ج)

عدم ضرورة وجود الشرع للبشر، وإمكان دفع العدوان بسطوة الملك ولو لم يكن شرع.

يشرح ابن خلدون المبدأ الأول بتفصيل واف في المقدمة المذكورة؛ ولذلك لا يرى لزوما للتوسع فيه عندما يشير إليه في الفصول الأخرى.

غير أنه يعرض المبدءين الآخرين في المقدمة المذكورة على وجه الإجمال، فيضطر إلى شرحهما وتوسيعهما في عدة فصول من الكتاب، ولا سيما المبدأ الثاني، فإنه يعود إليه مرات عديدة في فصول كثيرة، ويتناوله بالبحث والشرح والتفصيل، في كل مرة من وجوه جديدة.

فلأجل أن نحيط علما برأي ابن خلدون في «طبيعة الاجتماع ومنشأ الحكم» حق الإحاطة، يجب أن نبدأ بقراءة المقدمة الأولى التي أشرنا إليها، ونسعى لتحليل مضامنها بإنعام، ثم نقدم على تتبع الشروح والتفاصيل الواردة عن كل منها - ولا سيما عن الثاني والثالث منها - في الفصول المختلفة من الكتاب، وعلى وجه الأخص في الفصول التالية:

فصل في أن سكنى البدو لا يكون إلا للقبائل أهل العصبية، فصل في حقيقة الملك وأصنافه، فصل في معنى الخلافة والإمامة، فصل في اختلاف الأمة في حكم هذا المنصب.

1 (1)

يبدأ ابن خلدون أبحاثه الاجتماعية في المقدمة الأولى بقوله: «إن الاجتماع الإنساني ضروري» (ص40).

ويبرهن على هذه الضرورة بأمرين هامين: (أ)

إن الإنسان مضطر إلى التعاون مع بني جنسه؛ للحصول على الغذاء الذي يحتاج إليه. (ب)

ومضطر إلى الاستعانة بأبناء جنسه؛ لدفع تعدي الحيوانات عليه.

وذلك لأن «قدرة الواحد من البشر قاصرة على تحصيل حاجته من الغذاء»، «فلا بد من اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه؛ ليحصل القوت له ولهم»، كما أن «الواحد من البشر لا تقاوم قدرته الواحد من الحيوانات العجم، سيما المفترسة، فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة». وأما الأسلحة المعدة لدفع الحيوانات المفترسة فقدرة الواحد من البشر لا تكفي لصنعها؛ «فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه»، وما لم يكن هذا التعاون لا يستطيع الإنسان أن يحصل على الغذاء، وأن يدافع عن نفسه؛ فيكون فريسة للحيوانات (ص42).

يتبين من ذلك كله «أن الاجتماع ضروري للنوع الإنساني» (ص42)، وأنه «يستحيل على البشر أن يعيشوا منفردين» (ص151). (2)

بعد سرد هذا المبدأ، «وتقرير» طبيعية الاجتماع وضروريته للإنسان، ينتقل ابن خلدون إلى المبدأ الثاني، ويقرر ضرورة وجود وازع في كل اجتماع، قائلا: «ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر، فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض؛ لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم» (ص43).

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١١٦