تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العالم العمل به وقد تحقق علمه به بحكم بحت عند النظر السديد ولا أقل من أن يجوز له العمل به حينئذ فإن قلت ذهن العامي لا يخلو عن دغدغة معارض يتمسك به من خالف هذا الحديث فكيف يكون الحديث حجة في حقه قلت ذلك معارض متوهم فلا يمنع العمل بما هو الموجود في حقه إذ الأصل عدم المعارض ولو كان مثله مانعا لكان مانعا لذلك العالم أيضا وقد علم أنه ليس بمانع في حقه فلا يصير مانعا في حق هذا العامي أيضا وأما الذي خالف هذا الحديث فيجوز أن خلافه بناء على عدم وصول هذا الحديث إليه فشا رأيه ولا يجوز الأخذ بالرأي في مقابلة النص بعد ظهوره فيجب تركه والمصير إلى النص ومجرد الدغدغة لا تصلح للاعتذار بعد ظهور البرهان ولا يحل التمسك بها في مقابلة الحجج والتبيان ثم العجب أنه كيف يجوز له أن يأخذ بقول فقيه يتوهم أن يكون حجة ويترك نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الدغدغة فهل هذا إلا كالقيام تحت الميزاب والفرار من المطر نعم هذا إذا بلغه الحديث أو حديثان متوافقان مثلا وأما إذا بلغه الأحاديث من الطرفين فلا يتمكن من العمل بالحديث ومن تمييز الراجح من المرجوح استقلالا إلا من له أهلية نعم يجوز له العمل بأحد الحديثين تبعا لعالم يعتد بعلمه وذلك في الحقيقة يرجع إلى الأخذ بقوله فتلخص من مجموع هذاالكلام أنه إذا بلغ العامي حديث صحيح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وعلم صحته ومعناه ووافق فهمه فهم عالم يعتد بعلمه وعلم بتلك الواقعة وبأن ذلك العالم أخذ بذلك الحديث ففي هذه الصورة ينبغي أن يجب عليه العمل بذلك الحديث قال كان الله له وإن لم يجب العمل بالحديث فلا أقل من الجواز وذلك لأن الموانع من العمل من الناسخ والمعارض والإجماع قصور الفهم في معناه منتفية بموافقة ذلك العالم والأخذ به كما تقرر فما بقي إلا أن لا يكون ذلك الحديث حجة وذلك لا يقول به مسلم وبعد ذلك فمن يقول إنه لا يجب عليه العمل أو لا يجوز فلا نراه إلا أنه يريد وضع حجة من حجج الله تعالى القائمة على نفسه بمجرد التوهم والتخيل وليس هذا شأن المسلم لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم

قال شيخنا إمام الحرمين مؤلف هذه الرسالة قوله وقصور الفهم قلت بل عذر القصور في الفهم غير مسلم فقد صرحوا بالفرق بين القياس والدلالة بأن المفهوم بالقياس لا يفهمه إلا أهل الاجتهاد بخلاف المفهوم بالدلالة فإنه يشاركه فيه أهل الرأي وغيرهم وهذا مما صرحوا به في الأصول وغيره فإذا كان حال الدلالة هذه فما حال صريح النص فالاعتذار بعدم الفهم باطل قطعا والعجب من الذي يقول أمر الحديث عظيم وليس لمثلنا أن يفهم فكيف يعمل به وجوابه بعد أن فرضنا موافقة فهمه لفهم ذلك العالم الذي يعتد بعلمه وفهمه بالإجماع أنه إن كان المقصود بهذا تعظيم الحديث وتوقيره فالحديث أعظم وأجل لكن من جملة تعظيمه وتوقيره أنه يعمل

إيقاظ الهمم · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إيقاظ الهممص ٦٠