فكم جمعتني مجالس مع رؤوسٍ لدعوات وجماعات خضنا فيها حول كلّ حكومة وطاغوت فإذا ما تعرّض الحديث أو تطرّق إلى هذه الدّولة ... فتلك عندهم عقبة كؤود ... تحجم دونها خيولهم ومطاياهم وتتردّد وتضطرب حولها سيوفهم ورماحهم ونبالهم ... فلمّا رأى العبد الفقير إلى توفيق ربّه وتسديده هذه الحال من خلو السّاحة من الأسود والأعلام بادر على ضعفه وقلّة حيلتهِ إلى المساهمة في إماطة اللّثام عن وجه هذه الدّولة الدّميم ... وقال معتزًّا بخالقه مستنصراً به متوكّلاً عليه: أنا لها ... أنا لها فأخرج من كنانته بعض نبال التّوحيد سدّدها في أكباد أهل الشّرك والتنديد، سهاماً لا تنكسر ولا تحيد.
في ظلم الأكباد سبلاً لا ترى ... تُري المنون حين تقفوا إثرها
مقحماً جواده في معتركٍ أحجم دونه الفرسان ... ممتشقاً سيفه ورمحه يفري ويطعن زيوفاً وأكاذيب ساهم في نشرها مشايخ ودعاة باعوا دينهم وتوحيدهم بثمن بخس دراهم معدودات، معرضين عن قول ربهم: (لَتُبيِّنُنَّه للناسِ ولا تكتمونه) [آل عمران/187] فقام بكتابة هذه الورقات أداء لواجب البيان، مستلهماً الثّبات والسّداد من ربّ العباد، تذكرة للمؤمنين، وتنبيهاً للنّائمين الغافلين، وفضحاً للملبّسين والمنافقين، وتعرية للمجرمين وإقامة للحجّة على المعاندين ومعذرة لله ربّ العالمين عسى أن يظهر دينه وتوحيده الحق نقيًّا صافياً بعيداً عن تكدير المكدّرين، وليتعرى الباطل ويزهق بعيداً عن ترقيع المرقّعين وتدليس المدلّسين.
ولنخلص من هذا كلّه إلى بيان الموقف الواجب على الموحّد تجاه هذا النّظام الباطل وأمثاله من الأنظمة المضلّلة الّتي تتستّر بستار تطبيق بعض حدود الإسلام وشرائعه (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال/42]