تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالفتوة على هذا المعنى معناها القوة، لأن الشباب مصدرها عادة، ومن هذا المعنى على ما يظهر تسميتهم الليل والنهار باسم الفتيان.

ومن أقوى من الليل والنهار في إذلال كل عزيز وإضعاف كل قوي؟

ومنه قول الشاعر:

لم يلبث الفتيان أن عصفا بهم

ولكل قفل يسرا مفتاحا

ثم من أحق منهما بأن يسميا فتيين، وقد سميا قبل بالجديدين؟

وفتوة الناس مرحلة قصيرة المدى، وفتوة الليل والنهار متجددة أبدا.

ثم رأيناهم نقلوا معنى الفتى نقلة ثالثة، كالذي قال الجوهري: «الفتى السخي الكريم.» ولكن فاته أن يقيد ذلك بالشباب. ومثل ذلك ما قال الزمخشرى: «الفتوة هي الحرية والكرم.»

قال عبد الرحمن بن حسان:

إن الفتى لفتى المكارم والعلا

ليس الفتى بمعملج الصبيان

وكأنهم لما لاحظوا في الفتوة الشباب والقوة لاحظوا أن القوة أكثر ما تستمد في وسطهم من الكرم والحرية.

ويظهر أن الكلمة أصبحت في هذا الطور خاضعة للبيئات المختلفة، فتلبسها كل بيئة ما تراه المثل الأعلى للفتى، فطرفة مثلا يرسم لنا صورة للفتى كما يتصورها هو وبيئته فيقول:

إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني

عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

أحلت عليها بالقطيع فأجذمت

وقد خب آل الأمعز المتوقد

فذالت كما ذالت وليدة مجلس

ترى ربها أذيال سحل مهدد

ولست بحلال التلاع مخافة

ولكن متى يسترفد القوم أرفد

فإن تبغني في حلقة القوم تلقني

وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد

وإن يلتق الحي الجميع تلاقني

إلى ذروة البيت الشريف المصمد

فطرفة يعد نفسه مثلا أعلى للفتى لاتصافه بأوصاف لا بد منها لمن نصب نفسه ليكون فتى، وهي أنه أولا: إذا ما سأل القوم عن الفتى ينجدهم في الملمات، لم يجدوا الفتوة متوافرة في أحد توافرها فيه، لأنه سرعان ما يهوي إلى ناقته يضربها بالسياط لتسرع في السير للاتجاه، فتتبختر في مشيتها، كما تتبختر جارية ترقص بين يدي سيدها. وثانيا: هو لا يلجأ إلى التلاع مخافة حلول الأضياف، وهو واسع الرحب في قرى الضيوف كما هو سريع النجدة في قتال الأعداء. وهو إلى ذلك في حياته جاد هازل، يدلي برأيه بين عظماء القوم عندما يجد الجد، لأنه شريف النسب، علي الحسب.

فإذا فرغ من الجد ودعا داعي اللهو، فهو في الحانات يشرب، وندماؤه أحرار كرام، تتلألأ ألوانهم، وتشرق وجوههم، وتغنيهم مغنية، لابسه بردا، أو ثوبا صبغ بالزعفران.

فالفتوة في نظره ونظر أمثاله شجاعة وكرم، وإتلاف للمال في الجد والهزل، وعدم الاعتداد بالحياة في السلم والحرب.

وقد شرح هذه الخصال بعد في قوله :

ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى

وحقك لم أحفل متى قام عودي

ومثل هذا قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:

أمطعمكم وحاميكم تركتم

لدى غبراء منهدم رجاها

ليبك عليك قومك للمعالي

وللهيجاء إنك ما فتاها

تقصد إنك فتاها، وما زائدة.

ومثل قول طرفة يدل على اعتقاده أن الحياة هي هذه الحياة ولا شيء وراءها، فليلتذ ما أمكن، وليس هذا من الإسلام في شيء. فكما صبغ الصوفية فيما بعد الفتوة - كما سيأتي - بصبغة دينية صبغت كل طائفة في الجاهلية الفتوة ببيئتهم ومزاجهم. وكأن الفتوة هي المثل الأعلى لكل فتى يرسمه حسب خيالاته.

وزهير لما كان عاقلا فصيحا رزينا جعل أهم صفات الفتى الفصاحة في اللسان والحكمة في الجنان فقال:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

ومن ذلك نرى أن مسكينا الدارمي رسم الفتى رسما آخر، فجعل من أهم ميزات الفتى حفظ السر إذ يقول:

وفتيان صدق لست مطلع بعضهم

على سر بعض غير أني جماعها

لكل امرئ شعب من القلب فارغ

وموضع نجوى لا يرام اطلاعها

يظنون شتى في البلاد وسرهم

إلى الصخرة أعيا الرجال انصداعها

فهو قد أضاف الفتيان إلى الصدق كما يقال فتيان خير وفتيان سوء، وكما يقال رجل سوء ورجل خير. يقول: «رب فتيان صدق استناموا إلي واستودعوني أسرارهم، فكنت أنا حافظ سرهم؛ قد أفردت كلا منهم بالوفاء وكتمان ما أودعني من سر، فكنت أنا كالعقد الذي يجمع الحبات، ولكل رجل منهم جانب من قلبي منفرد له لا يطلع عليه الشعب الآخر، يودعونني سرهم كأنهم أودعوا سرهم صخرة أعيا الرجال صدعها.» ومن غير شك هو أحد هؤلاء الفتيان، ومزيته الكبرى عليهم أنه يحتفظ بأسرارهم، فهذه صفة جديدة في الفتوة، وهي حفظ السر، لم يتعرض لها غيره، وربما كانت هناك صفات أخرى لم نطلع عليها تضاف إلى الفتوة، ويمكننا أن نستخلص من ذلك أن الفتوة شباب وسلوك حميد.

الصعلكة والفتوة في الإسلام · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصعلكة والفتوة في الإسلامص ٢