تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المجلس العالي

تداخلت دول أوروبا في المسألة الشرقية بعد أن تركت روسيا تفعل ما تريد في الحرب، وعادت إلى المناقشات والمحاورات - على عادتها - في هذه المسألة، فاعتمد المابين على ما بينهن من الاختلاف واستغنى عن مجلس المبعوثان فألف في 11 شباط/فبراير سنة 1878 مجلسا عاليا من وكلاء الدولة ورجالها وأعيانها والرؤساء الروحيين، وطلب من مجلس المبعوثان خمسة أشخاص: الرئيس، ووكيله، وأحد مبعوثي الأستانة؛ وهو الحاج أحمد أفندي، وكتخدا الأسترجية «الكدش»، ومبعوث آخر يهودي. فقال لهم الحاج أحمد أفندي: إن طلبكم الآن رأينا في غير محله، فقد كان يجب عليكم أن تسألونا قبل الخراب، فمجلس المبعوثان يتنصل من كل تبعة تلقى عليه لأمر وقع بغير علمه، ولم يكن برأي من آرائه، وكرر القول بأن المجلس يرفض كل تبعة في الحال الحاضرة.

تعطيل مجلس المبعوثان إلى أجل غير مسمى

صمم السلطان حينئذ على العدول عن سياسة والده - الماجد السلطان عبد المجيد خان - في عمل الإصلاح بإطلاق الحرية والعمل بمقتضى أحكام القانون الأساسي، وجنح لسياسة جده السلطان محمود خان في إعمال القهر والاستبداد، مفضلا هذه السياسة؛ اعتقادا منه أن الشعوب التي وضعها الله تحت يده لا يمكن تسييرها إلا بالقوة! وكان المندوب الروسي قد حضر إلى الأستانة فلم يسر بوجود مجلس المبعوثان لخلو بطرسبرج من مثله، واستبداد القيصر برعيته، ففي 14 شباط/فبراير سنة 1878 قرأ الرئيس حسن فهمي أفندي على المبعوثين منطوق الإرادة السنية القاضية بتعطيل مجلسهم إلى أجل غير مسمى!

استخدام المبعوثين والأمة لتعطيل مجلس المبعوثان وأسبابه

خرج المبعوثون يتعثرون بأذيالهم، وأنذرت الضابطة المتطرفين منهم والجسورين على التكلم وإيقاظ أفكار الأمة بوجوب المهاجرة من الأستانة! فذهب بعضهم إلى الولايات الثمانية وبعضهم إلى مصر والبلاد الأجنبية، ولا تقلق الأمة أو تتأثر بهذا الاحتقار والامتهان، ولا حصل منها هيجان أو اعتراضات! كأنها جمل المحامل.

يصرفه الصبي بكل وجه

ويحبسه على الخسف الجرير

وتضربه الوليدة بالهراوي

فلا غير لديه ولا نكير

ولم يبق من المبعوثين من أصر على مبعوثيته إلى آخر نفس من حياته إلا أفراد قلائل، كمبعوث القدس الذي كان - بجراءته - يثبت على بطاقة الزيارة

Carte-visite

أنه مبعوث القدس، ويقدمها إلى وزارة الدولة ورجالها لدى زيارته لهم في الأستانة، وإلى سفراء الدول الأجنبية وموظفي نظارة الخارجية في أوروبا، ولما اجتمع بصديقه خليل غانم مبعوث بيروت في الاجتماع الثاني للمجلس ومنشئ المقالات الرنانة في جريدة الديبا وغيرها من جرائد باريس، وذلك قبيل وفاتهما؛ آخذه لكتابته في بطاقة الزيارة كلمة المبعوث السابق

Ex-Depute

فمحا كلمة «سابق»؛ لأن صفة المبعوثية إنما هي بإرادة الأمة وانتخابها، فهي لا تزول عن صاحبها إلا بانتخاب آخر، ومجلس المبعوثان لم يلغ إلغاء وإنما عطل إلى أجل غير محدود، فكان اجتماعه في كل سنة من قبيل الممكنات الجائزة عقلا ونظاما، ولكن أكثر المبعوثين تناسوا وظيفتهم كأنها وظيفة حقيرة لا يؤبه لها وقد عزلوا منها ولم يجسر أحد على ذكرها في ترجمة حاله الرسمية، ولم يذكرهم بها مذكر ولا وعظهم واعظ! ولا حررت في هذا الموضوع جريدة من جرائد المملكة العثمانية.

إن لهذا السكوت والاستخذاء أسبابا كثيرة: منها أن الحرية أمر تستحوذ عليه الأمة بالغلبة والاستيلاء، وليست مما ينعم به إنعاما أو تعطى جزافا، ولقد كانت الأمة حينئذ منهوكة القوى مكسورة الجناح بسبب الحرب، لا دار إلا وفيها مأتم، ولا أسرة إلا وقد أصابتها مصيبة، وزاد البلاء بسبب البحران المالي، ونزول قيمة المسكوكات «النقود»، فكانت الأسرة تبعث خادمها إلى السوق ليشتري القوت الضروري، فيعود إليها خاوي الوفاض لعدم رواج النقود، فتطوي على الجوع وتتفتت أكباد الوالدين لبكاء أطفالهم، ثم إن الأمة هي عبارة عن أهل العاصمة منع الاستبداد وأهالي الولايات والقرى، والعساكر المنظمة، المدربة على الحرب المسلحة بالأسلحة الجديدة والمدافع، فأما أهل الأستانة - ولا سيما المسلمون - فإنه لا يتصور قيامهم لطلب الحرية لأن جلهم - إن لم نقل كلهم - موظفون أو عائشون في ظل الموظفين، والعساكر المسلحون واقفون لهم ولأهل الولايات بالمرصاد، وقادرون على إخماد نار أية ثورة أو مظاهرة، وأن قيام طائفة مسيحية وحدها لطلب الحرية مما لا يرضى به المسلمون ولا بقية الطوائف المسيحية أو اليهودية، كما شاهدنا ذلك في أرمينيا ومقدونيا التي اشتدت فيها المناقشة بين الروم والبلغار والصرب والرومان، كما أن العساكر وحزب الأحرار العقلاء لا يرضون به؛ لأن قيام كل ملة على انفراد يقضي بتقسيم الممالك وتفريقها وضعفها، وإثارة أضغان العداوة الموروثة من الحروب الصليبية والقرون المتوسطة المظلمة، على أن هذا القيام كان مصدره الكنائس والأديار بإيعاز الرهبان والقسيسين والمبشرين والمرسلين، فكان سببا لإيجاد المذابح والفظائع ومداخلة الأجانب.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ١٩