فمن خلال لفظ التواصي ومعناه وطبيعته وحقيقته تبرز صورة الأمة - أو الجماعة - المتضامة المتضامنة. الأمة الخيرة. الواعية. القيمة في الأرض على الحق والعدل والخير. . وهي أعلى وأنصع صورة للأمة المختارة. . وهكذا يريد الإسلام أمة الإسلام. . هكذا يريدها أمة خيرة قوية واعية قائمة على حراسة الحق والخير , متواصية بالحق والصبر في مودة وتعاون وتآخ تنضح بها كلمة التواصي في القرآن. .
والتواصي بالحق ضرورة. فالنهوض بالحق عسير. والمعوقات عن الحق كثيرة: هوى النفس , ومنطق المصلحة , وتصورات البيئة. وطغيان الطغاة , وظلم الظلمة , وجور الجائرين. . والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية , والأخوة في العبء والأمانة. فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية , إذ تتفاعل معا فتتضاعف. تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله. . وهذا الدين - وهو الحق - لا يقوم إلا في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة متضامنة على هذا المثال.
والتواصي بالصبر كذلك ضرورة. فالقيام على الإيمان والعمل الصالح , وحراسة الحق والعدل , من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة. ولا بد من الصبر. لا بد من الصبر على جهاد النفس , وجهاد الغير , والصبر على الأذى والمشقة. والصبر على تبجح الباطل وتنفج الشر. والصبر على طول الطريق وبطء المراحل , وانطماس المعالم , وبعد النهاية!
والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة , بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف , ووحدة المتجه , وتساند الجميع , وتزودهم بالحب والعزم والاصرار. . إلى آخر ما يثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلا في جوها , ولا تبرز إلا من خلالها. . وإلا فهو الخسران والضياع.
وننظر اليوم من خلال هذا الدستور الذي يرسمه القرآن لحياة الفئة الرابحة الناجية من الخسران , فيهولنا أن نرى الخسر يحيق بالبشرية في كل مكان على ظهر الأرض بلا استثناء. يهولنا هذا الضياع الذي تعانيه البشرية في الدنيا - قبل الآخرة - يهولنا أن نرى إعراض البشرية ذلك الإعراض البائس عن الخير الذي أفاضه الله عليها ; مع فقدان السلطة الخيرة المؤمنة القائمة على الحق في هذه الأرض. . هذا والمسلمون - أو أصحاب دعوى الإسلام بتعبير أدق - هم أبعد أهل الأرض عن هذا الخير , وأشدهم إعراضا عن المنهج الإلهي الذي اختاره الله لهم , وعن الدستور الذي شرعه لأمتهم , وعن الطريق الوحيد الذي رسمه للنجاة من الخسران والضياع. والبقاع التي انبعث منها هذا الخير أول مرة تترك الراية التي رفعها لها الله , راية الإيمان , لتتعلق برايات عنصرية لم تنل تحتها خيرا قط في تاريخها كله. لم يكن لها تحتها ذكر في الأرض ولا في السماء. حتى جاء الإسلام فرفع لها هذه الراية المنتسبة لله , لا شريك له , المسماة باسم الله لا شريك له , الموسومة بميسم الله لا شريك له. . الراية التي انتصر العرب تحتها وسادوا وقادوا البشرية قيادة خيرة قوية واعية ناجية لأول مرة في تاريخهم وفي تاريخ البشرية الطويل. .