ثم إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها، وليس الحياة الدنيا وحدها، وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال. إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها، ويزنها بميزان غير ميزان الأرض في جيل من أجيالها، وغير ميزان الأرض في أجيالها جميعاً. والملأ الأعلى يضم من الأرواح الكريمة أضعاف أضعاف ما تضم الأرض من الناس. . وما من شك أن ثناء الملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم على الإطلاق!
وبعد ذلك كله هناك الآخرة، وهي المجال الأصيل الذي يلحق به مجال الأرض، ولا ينفصل عنه، لا في الحقيقة الواقعة، ولا في حس المؤمن بهذه الحقيقة.
فالمعركة إذن لم تنته، وخاتمتها الحقيقية لم تجيء بعد، والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها على الأرض حكم غير صحيح، لأنه حكم على الشطر الصغير منها والشطر الزهيد.
لنظرة الأولى: هي النظرة القصيرة الضيقة المجال التي تعنّ للإنسان العجول. والنظرة الثانية: الشاملة البعيدة المدى هي التي يروض القرآن المؤمنين عليها، لأنها تمثل الحقيقة التي يقوم عليها التصور الإيماني الصحيح.
ومن ثم وعد الله للمؤمنين جزاء على الإيمان والطاعة، والصبر على الابتلاء، والانتصار على فتن الحياة. . هو طمأنينة القلب:
﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله * ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ... [الرعد: 28
وهو الرضوان والود من الرحمن:
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً﴾ [مريم: 96].
وهو الذكر في الملأ الأعلى:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بين الحمد ". . . [أخرجه الترمذي].
وقال صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه. فإن اقترب إلى شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إليّ ذرعاً اقتربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ". [أخرجه الشيخان].
وهو اشتغال الملأ الأعلى بأمر المؤمنين في الأرض: