وليست في الدنيا شريعة دينية ولا نظام اجتماعي فرض السلام تدريبا عمليا واعتبره شعيرة من شعائره وركنا من أركانه كما فرض الإسلام رياضة النفس على السلام بالإحرام في الحج ، فمتى أهل المسلم به فقد حرم عليه منذ تلك اللحظة أن يقص ظفرا أو يحلق شعرا أو يقطع نباتا أو يعضد شجرا أو يقتل حيوانا أو يرمى صيدا أو يؤذى أحدا بيد أو لسان حتى ولو وجد قاتل أبيه وجها لوجه لما استطاع أن يمسه بشيء (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة:197) , فهو بهذا الإحرام قد أصبح سلما لنفسه سلما لغيره من إنسان أو حيوان أو نبات.
والإسلام دين الرحمة , فهي قرين السلام في تحية المسلمين , ونبي الإسلام إنما أرسله الله رحمة للعالمين , وشعار المسلم الذي يردده قبل كل قول أو عمل (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) , والوصية بين المؤمنين الصبر والمرحمة (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ , أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) (البلد:17-18) .
و آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول محمد ( وأعماله وتصرفاته كلها تدل على سمو منزلة الرحمة بين الأخلاق التي يأمر بها هذا الدين.
لقد فتحت أبواب الجنة وشملت مغفرة الله تعالى ومنته رجلا سقى كلبا يلهث يأكل الثرى من العطش. روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: (قال رسول الله ( في : "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملا خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله تعالى له فغفر له" قالوا يا رسول الله : وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: "في كل كبد رطبة أجر")