حضارة جديدة : إن الأمم الأوربية التي اتصلت بالإسلام و شعوبه في الشرق بالحروب الصليبية , و في الغرب بمجاورة عرب الأندلس و خالطتهم , و لم تستفد من هذا الاتصال مجرد الشعور القوي أو التجمع و التوحد السياسي , و لكنها أفادت إلى جانب ذلك يقظة ذهنية و عقلية كبيرة و اكتسبت علوما و معارف جمة , و ظهرت فيها نهضة أدبية و علمية واسعة النطاق , و قامت الكنيسة تناقض هذه الظاهرة الغريبة , و قامت الكنيسة تناقض هذه الظاهرة الغريبة بكل ما أوتيت من قوة , و تذيق رجالها من الأدباء و العلماء مر العذاب , و تعتدي عليهم محاكم التفتيش و تثير ضدهم الدول و الشعوب , و لكن ذلك كله لم يجدها نفعا و لم تثبت تعاليمها أمام حقائق العلم و كشوفه , و خرجت النهضة العلمية منتصرة كل الانتصار و تنبهت الدولة بذلك , فصارعت الكنيسة هي الأخرى حتى صرعتها , و تخلص بذلك المجتمع الأوربي تخلصا تاما من سلطانها و طارد رجالها إلى المعبد و الأديرة و ألزم البابا الإقامة في الفاتيكان , و حصر عمل رجال الدين في نطاق ضيق من شؤون الحياة لا يخرجون عنه و لا يتطلعون إلى سواه , و لم تبق أوربا على المسيحية إلا كتراث تاريخي , و عامل من عوامل تهذيب البسطاء و الأغرار من دهماء الشعوب , و وسيلة من وسائل التغلب و الاستعمار و قضاء المآرب السياسية .
رسائل الإمام حسن البنا · الصفحة ١٠٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رسائل الإمام حسن البناص ١٠٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي