الإنسان وخالقه فحسب - وإن كانت هذه مصيبة من مصائب التصور الجاهلي الإغريقي، لا أظن لها مثيلاً في أساطير الوثنيات الأخرى - إنما هو كذلك شعور " الإنسان " في هذه الأسطورة أنه لا يُحقّق ذاته إلا بمعصية الإله!
كلا الأمرين يخرّب المشاعر الإنسانية..
حقيقة إن التصور الإسلامي يُقرّر أن الإنسان خلق للابتلاء:
(إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) . [سورة الإنسان، الآية 2] .
ولكن الابتلاء أولاً ليس بالشرّ وحده:
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) . [سورة الأنبياء، الآية 35] .
والابتلاء ثانياً انتقاماً إلهياً يوقعه الخالق بالإنسان الذي خلقه، إنما هو اختبار له، بعد أن أنعم عليه بشتّى النعم، التي تشمل العلم فيما تشمل، هبة ربانية من الله للإنسان.. اختبار له بعد كل النّعم التي أنعم عليه بها: هل يشكر النعمة - بطاعة الله - أم يكفرها بعصيانه؟
ثم إن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف، ولا هي أهم مرحلة في حياة الإنسان، إنما هي فقط مرحلة الاختبار من حياته، فإذا اجتاز الاختبار بنجاح - بطاعة الله - فإن له جزاء من النعيم الخالد يجلّ عن الوصف.
فلا كراهية إذن من الخالق للإنسان الذي خلقه وأنعم عليه، ولا كراهية من الإنسان السوي لخالقه، بل شكر للنعمة وإخبات، وتقرب وطاعة لله.
ومن ناحية أخرى فإن الله يدمر على الإنسان الكافر الذي يدعي الألوهية، أو يدعي لنفسه خصيصة من خصائصها، هذا حقّ. ولكن هل مجرد سعي الإنسان لتحقيق ذاته هو الذي يستوجب غضب الله عليه وتدميره؟ أليس الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقه ليكون خليفة في الأرض؟
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) . [سورة البقرة، الآية 30] .
أو ليس الله سبحانه وتعالى هو الذي سخر له ما في السماوات والأرض؟
(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) . [سورة الجاثية، الآية 13] .