تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أعظم الحقائق في الإسلام هي توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له ومع ذلك فإن العقيدة الإسلامية واضحة وقاطعة في أن ذلك هو دين الأنبياء جميعاً ودين إبراهيم عليه السلام بصفةٍ خاصة وليس محمداً صلى الله عليه وسلم إلا مجدداً وشارحاً لملة أبيه إبراهيم.

ومن هنا لم يتحرج فقهاء الإسلام بل الخلفاء الراشدون من الإفادة من أي مصدر كان، بل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرر حكماً شرعياً - مخالفاً لما كان عليه العرف العربي - استناداً إلى أن الروم وفارس يفعلونه (1).

وهكذا كتب الفقهاء المسلمون المصنفات الطويلة المفصلة عن الحرب وأحكامها مستندين إلى آيات من كتاب الله وأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ونماذج عملية من السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين الذين لم يشهد تاريخ البشرية بعد حكم الأنبياء حكماً أعدل من حكمهم.

وكان الانفتاح الهائل للحضارة الإسلامية متجاوزاً كل الحواجز التي لا تزال الحضارة المعاصرة تتعثر في أغلالها، فلم يكن هناك من التمييز العرقي أو قوانين الهجرة والسفر، ما يمنع وفداً وثنياً تركياً من أواسط آسيا من إقامة الدعوى لدى الخليفة في - دمشق - على قائد الجيش الإسلامي الفاتح لبلاده، وقبله قدم قبطي إلى المدينة ليشكو الخليفة الراشد الثاني ابنه، وفي كلا الحالتين صدر الحكم لصالح المدعي!!

وليس العجب أن تقع هذه القضايا - وأمثالها كثير - بل العجب أن الناس في تلك العصور لم يعودوا يعجبون لحدوثها لأن ما رأوه وسمعوه عن عدل الإسلام جعلها حوادث مألوفة.

وفي المقابل نجد أن الإدارة الأمريكية فرضت على الإعلام الأمريكي حظراً صارماً لكي لا ينشر للملا محمد عمر وجهة نظره في القضية!

إن العدل يوجب على من يدعيه أن يفسح المجال لسماع الطرف الآخر، والعادل هو الأقوى وإن كان ضعيفاً والضعيف هو الظالم وإن كان قوياً، وأن تضيق الترسانة الإعلامية الهائلة لأمريكا عن نصف ساعة للعدل في إذاعة صوت أمريكا فهو دليل دامغ على الضعف القاتل الذي يصيب الله به الظالم مهما كان قويا!! وإلا فلماذا يخاف إعلامٌ بهذه الضخامة على شعبٍ واعٍ من خطابٍ لشخصٍ طالما وصمه هذا الإعلام بالغباوة والسذاجة؟!

عندما فتحت العقيدة الإسلامية الباب للاجتهاد والبحث عن الأحكام العادلة في كل واقعة - داخل إطار موحد من القيم المنضبطة بالنصوص الدينية والقواعد الكلية المستنبطة - فقد وضعت القاعدة الصلبة التي يقوم

(1) وهو حكم "الغيلة " – رضاع الطفل من أمه الحامل – والحديث فيه رواه مسلم

رسالة من مكة عن أي شيء ندافع · الصفحة ٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة من مكة عن أي شيء ندافعص ٤٥