(المسألة الثانية) أن العبد إذا حدثته نفسه بالشيء فلا يخلو من حالتين:- إما أن يبديه بقول أو فعل فإنه يكون من الأعمال الظاهرة التي يستحق عليه الذم والعقاب فقوله تعالى في الآية: ... ﴿وَإِن تُبْدُوا مَافِي أَنفُسِكُمْ﴾ موافق كل الموافقة لقوله - صلى الله عليه وسلم - ((مالم تعمل أو تتكلم)) ذلك لأنه إذا أظهر ما أضمره في صورة قولٍ أو فعلٍ فقد أبداه والله يحاسبه على ذلك بما تقتضيه حكمته جلَّ وعلا وإن أخفى العبد ذلك ولم يظهره لا بقولٍ ولا فعلٍ فلايخلو من حالتين:- إما أن يكون مما يستطيع دفعه وإما لا, فإن كان قادراً على دفعه بقطع التفكير فيه والاشتغال عنه بغيره لكنه رضي به واسترسل معه واستمرأه وانقاد له فلا يخلو من حالتين:- إما أن يكون هذا الأمر الذي أخفاه كفراً وإما معصية فإن كان كفراً كالشك في صحة نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو صحة القرآن أو وجود الله تعالى فهو كفر وإن لم يعمل أو يتكلم به, أو كان بغضاً لشيء مما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا أيضاً كفر أكبر حتى وإن أخفاه لأنه يكون بذلك قد ترك الإيمان الذي لا نجاة للعبد ولا سعادة إلا به وهو قادر على دفع ذلك عن قلبه لكنه لم يدفعه بل رضي به وانقاد له واسترسل معه, وأما إن كان هذا الأمر من أمور المعاصي غير الشرك فإنه يكون تحت المشيئة, إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عاقبه, ولعل هذا هو المراد ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مِن يَشَآءُ﴾ (1) أي من أخفى أمراً من المعاصي سوى الشرك فإنه تحت المشيئة ذلك لأن الشرك والكفر مما لايغفره الله تعالى وأما إن كان هذا الوارد على القلب وسواساً من الشيطان والعبد يكرهه ويحاول دفعه ويجاهده فهذا لا يضر العبد شيئاً بل هو من صريح الإيمان كما هو مصرح به في بعض الأحاديث وهذه الوسوسة هي ما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان فإذا كرَّهه العبد ونفاه وجاهده كانت كراهته لذلك هي صريح الإيمان, وقد خاف الصحابة من
(1) سورة البقرة آية (284)