المطلق, فلا يمكن أبداً أن يعتريه جلَّ وعلا نسيان بهذا المعنى, وإنما هذا لنا ونحن نتصف به, فنحن الذين نغفل ونحن الذين نسهو ونحن الذين نذهل, لأننا ناقصون في ذواتنا وصفاتنا وأفعالنا, وأما هو جلَّ وعلا فإنه الكامل من كل وجه وصفاته لها الكمال المطلق من كل وجه ليس كمثله شيء في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله جلَّ وعلا, فالنسيان المنفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وفي قوله: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ هو النسيان بمعنى الغفلة والذهول عن الشيء, وأما النسيان المثبت فإنه النسيان الثاني:- والذي هو بمعنى الترك عن علم وعمد جزاء ومقابلة للمتروك أي من باب العقوبة, وهذا الترك يسمى في لغة العرب نسيان والقرآن نزل بلغة العرب لفظاً وأسلوباً, وهذا النسيان لاغفلة فيه ولا ذهول ولا نقص.
وإنما هو ترك منه جلَّ وعلا لمن يستحقه عقوبةً ونكالاَ ولذلك لاتجده- أي النسيان- منسوباً إلى الله تعالى إلا من باب الجزاء والمقابلة, كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أي تركهم عن علم وعمد جزاء ومقابلة لهم على نسيانهم له, وكقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (1) أي وكذلك اليوم تترك عن علم وعمد جزاء وفاقاً لك عل فعلك وهو نسيان الآيات, والمراد بنسيانه في الآيات أيضاً هو تركهم لها عن علم وعمد استكباراً وعناداً وكراهية للحق واستبدالاً لها بغيرها, فكذلك قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (2) أي فاليوم نترككم عن علم وعمد جزاءً ونكالاً وعقوبة لنسيانكم لقاء يومكم هذا ونسيناهم يراد به تركهم الإيمان به والعمل له والاستعداد له, وبهذا لايكون بين الأدلة أي
(1) سورة طه آية (126)
(2) سورة الجاثية آية (34)