الفرع السادس والثلاثون
لقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ((إنما الماء من الماء)) وقد قال بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم أن هذا الحديث كان معمولاً به في أول الإسلام ثم نسخ ولكن أقول والله أعلم أنه يمكن العمل به في شيء آخر غير الجماع لأن مسألة الجماع قد فصلت بقوله - صلى الله عليه وسلم - ((وإن لم ينزل)) وبحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل)) لكن حديث أبي سعيد السابق نستطيع أن نعمل به في مسألة الاحتلام فيقال للمحتلم ((إنما الماء من الماء)) وبناءً عليه فمن ذكر احتلاماً ولم يرى ماءً فعليه الغسل ومن لم يذكر احتلاماً ورأى ماءً فليغتسل ويؤيده أيضاً حديث أم سليم ((نعم إذا رأت الماء)) فحديث ((إنما الماء من الماء)) كان يفيد حكمين:- الأول:- كان يفيد أن من جامع فأكسل عن الإنزال أنه لاغسل عليه ويفيد أيضاً أن من ذكر احتلاماً ولم يرى منياً أنه لاغسل عليه, ولكن جاء الناسخ للحكم الأول فقط كما في سنن أبي داود وغيرها أن أبي بن كعب قال: ((إن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد)) ولكن أنت خبير أن الحديث إذا كان يفيد أحكاماً ثم نسخ أحدها فإنه يبقى سائر الأحكام على ما هي عليه, فأقول:- إن المنسوخ إنما هو مسألة الجماع فإنه يجب الغسل بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل ولكن يبقى الاحتلام ومسألة المفاخذة ومجرد المضاجعة فقط من غير إيلاج فإنه يستدل عليها بحديث ((إنما الماء من الماء)) فالحديث معمول به وإنما النسخ دخل إلى حكم واحدٍ فقط من أحكامه وتكون بذلك قد