أوجب طائفة من أهل العلم ـ رحمهم الله تعالى ـ غسل ما صاده الكلب بفمه ، أي إذا أرسلت كلبك المعلم فصاد لك شيئاً بفمه فالواجب عليك أن تغسل هذا الموضع الذي باشره بفمه ، ولكن هذا الوجوب أين مستنده؟ فإن الواجب من جملة الأحكام الشريعة والمتقرر أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة ، فلا يجوز إثبات شيء منها إلا بالدليل ، وأين الدليل الذي يعقد هذا الوجوب؟ ولا يصح قياسه على ولوغه في الآنية لأن هذا الحكم يخص الآنية ، ولذلك فلو ولغ على الثوب أو البدن فإنه يكفي في ذلك غسله مرة واحدة فقط ، ولا تقل هذه المسألة لا دليل فيها ، وإنما على عدم وجوبه ، وذلك لقوله تعالى " مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه " فهذه جملة شروط حلية الصيد بالجوارح ، أن نذكر اسم الله عليه وأن يكون قد أمسك لنا ، فأين بالله عليك ذكر الأمر بالغسل ، فإنه لو كان واجباً لبينه ربنا لنا ، لأن المتقرر بالاتفاق أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، ويوضح هذا حديث عدي بن حاتم ـ - رضي الله عنه - ـ قال : قال لي رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - " إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله ، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه ، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله ، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ، فإن وجدت مع كلبك كلباً آخر وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتل ، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت ، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل " متفقٌ عليه ، وفي لفظ لهما : قال قلت يا رسول الله إنا نرسل الكلاب المعلمة فقال :" كل ما أمسكن عليك. قلت وإن قتلن؟ قال : وإن قتلن. قلت : إنا نرمي بالمعراض! قال : كُلْ ما خرق ، وما أصاب بعرضة فلا تأكل فإنه وقيذ ". ولهما من حديث أبي ثعلبة أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال " وما صدت بكلبك المعلم
رسالة في إفتقار إثبات الأحكام للأدلة الصحيحة · الصفحة ٦٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رسالة في إفتقار إثبات الأحكام للأدلة الصحيحةص ٦٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي