تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالصبر يتمكن الإنسان من النظر إلى آيات الله في الآفاق و في الأنفس، التي هي حقائق ليس له في وجودها و ثبوتها شرك، و تنما له منها أن ينظر اليها و يأخذ منها صوراً.

و يأتي بعد ذلك القلب ليتخذ من تلك الآيات لنفسه هداية يدرك بها ما لابد منه من علم صفات الله و حقائق عالم الغيب، ليس له منها الامثل ما للبصر من حقائق عالم الشهادة.

و بهذا و ذاك تحصل للإنسان تصورات عن الله -سبحانه. و الكون و الإنسان لتحصل بادراكها و التسليم لها تسليماً يستتبع القيام بما يناسبها من الاعمال الحياة التي من أجلها خلق الإنسان.

و لكن ليست التصورات -كما هو جلي- كل ما لابد منه لتلك الحياة؛ فما القيم و الاحكام بأهون منها شأناً. و لكن هذه ليست حقائق من عالم الشّهادة فيراها البصر، و لا من عالم الغيب فيستدل بآيات الآفاق و الأنفس عليها القلب؛ بل هي انشاءات و اعتبارات تثبت مادام يعتبرها معبر، و يذهب بها نسخ من ناسخ و الغاء؛ و الانشاء و الاعتبار ليس مما يرى او يستدل عليه، و انما هو مما يؤسس و يقضي.

و ما ثمة من يحتمل أن يقضي الا الله و الإنسان. فاما الإنسان فلا يملك في مجال القضاء الا قوة الارادة؛ و هذه محال ان تستقل بالقضاء؛ فان قضائها انما هو عند الرغب في النافع و النفور من الضار، و هذا انما يكون بعد ان يعلم الشيء او يظنه نافعاً او ضاراً، و ليس يقدر على هذا الامر الإنسان؛ فأن النافع الفعل الذي يتناسق و حركات الإنسان التسخيرية و حركات سائر اجزاء العالم، الامر الذي لابد منه للجهاز الواحد المتعدد الاجزاء، الذي انما يتصف بالوحدة للكون كل حركة من حركات اجزائه مكونة لجزء من حركة مؤلفة مركبة؛ و الضار الفعل الذي لا يتناسق مع هذه و لا تلك؛ و هذا التناسق انما يتمكن من يحيط بالإنسان و بكل اجزاء الكون علماً و جلي أن هذا الامر ليس من شآن الإنسان.

فالطريق الوحيد، اما الإنسان اذا اراد علم القيم و الاحكام ان يستخدم قوة السمع في تلقي وحي الله العلي الحكيم. و اما قوة الارادة فمصيرها في طريق تزكيتها إلى أن يكون العزم على فعل كل معروف و ترك ما يقابله من المنكر ملكة و خلقاً.

و هذه المكان اتصاف النفس بها هو تزكيتها و غاية صيرورتها هذا في بيان ما للنفس من اخذ و تصيير و بعد كل اخذ و تصيير اعطاء يتجلي في اداء عمل صالح يقتضيه ذلك.

ففي مجال الاخذ تتلقى النفس التصورات التي لابد من العلم بها و التسليم إليها.

و في مجال التصيير تقوم بتذكير تلك التصورات و باداء ما تقتضيها هي من الاعمال مرة بعد مرة و حالاً بعد حال، متى تحصل لها احوال و تستقر تلك الاحوال حتى تصير خصالاً راسخةً فيها و ملكات و اخلاقاً، و لنوضح ذلك بذكر امثلة:

رسالة في علوم الحديث · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة في علوم الحديثص ٦