تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كن كما أنت .

و سوف تهديك نفسك إلى الصراط .

* * *

..................التوازن العظيم

لا أنسى تلك الليلة منذ سنوات وأنا في رحلتي في أدغال أفريقيا الاستوائية أشق النيل العريض في سفينة نيلية وقد تجاوزنا الملكال ودخلنا منطقة يكثر فيها البعوض وينبسط فيها النيل على شكل مستنقعات على مدى البصر .

والسفينة تتهادى على سطح الماء في جو لزج شديد الرطوبة ويقع مريضاً بالملاريا كل من على السفينة حتى الربان .. و أنا أبتلع أقراص الكاموكين بانتظام خوفاً من الإصابة بالحمى .

و ذات ليلة خطر لي أن أصعد على سطح السفينة لأشاهد أفريقيا الاستوائية في الليل .

و دهنت وجهي و ذراعي بطارد البعوض و تسللت إلى السطح و كان ما رأيته شيئاً كالحلم .

كانت آلاف الأشجار تضيء و تنطفئ و أكنها أشجار الميلاد يلهو بها الأطفال و قد غطوها بآلاف القناديل الكهربائية الصغيرة يضيئونها و يطفئونها معاً .

و مسحت على عيني من الدهشة .ز و عدت أنظر .

كان ما أرى حقيقة لا خيالاً .

كانت الأشجار تومض بالفعل كأنها مغطاة بآلاف الكهارب ثم تنطفئ .

و أخبرتني أن ما رأيت في تلك الليلة كان هو الحقيقة بعينها .. و أن تلك الأشجار تغطيها آلاف من حشرات الحباحب المضيئة و أنها تضيء معاً لتجذب البعوض بضوئها ثم تأكله و تعود فتنطفئ من جديد .. و أن هذه سنة الطبيعة كلما تكاثرت فيها حشرة اصطنع لها الله حشرة مضادة تأكلها ليحفظ للمخلوقات توازنها فلا يطغى واحد على الآخر إلا بحساب .

و ظللت أذكر تلك الليلة .

و ظللت أذكر ذلك الحديث .

و كل يوم يجتمع لديّ المزيد من الأدلة بأن الكون هو بالفعل مسرح للتوازن العظيم في كل شيء .. و أن كل شيء قد قدر فيه تقديراً دقيقاً .

لو كانت الكرة الأرضية أصغر حجماً مما هي لضغطت جاذبيتها و لأفلت الهواء من جوها و تبعثر في الفضاء و لتبخر الماء و تبدد و لأصبحت جرداء مثل القمر لا ماء و لا هواء و لا جو و لاستحالت الحياة .

رحلتي بين الشك و الإيمان · الصفحة ٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رحلتي بين الشك و الإيمانص ٤٨