تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- إذن .. آتيكم قبل الظهر .. لأننا سنصلي على الوالد ، رحمه الله ، بعد صلاة العصر .

قبيل الظهر كنت في (عليشة) . أحضروا ابراهيم ، و لم يكن يعلم عن شيء . أخبرته .. غشيته موجة من الحزن ، و انخرط بنوبة بكاء ، وقّعت على أوراق ، ووعدٍ ، بأن التزم بما فيها .. وخرجنا .

توجهنا إلى المستشفى . حررنا شهادة (الوفاة) .. غَسّلناه ، وَكَفّنّاه . بروحي .. ذلك الجسد الطاهر ، يتقلب بين أيدينا .. و يصدق فيه قول الشاعر :

" ... و قد كنتُ قبل اليوم .. صعبا قياديا " .

بيننا .. و بين صلاة العصر ، و قت قصير . أمي و الأخوات ، أصْرَرْنَ على (رؤية وداع) .. فاتجهنا إلى البيت . رأته أمي ، و رأت ابراهيم . إمرأة توزع قلبها ، بين وداع (حبيب) .. و رؤية (حبيب) ..!

لك الله .. من قلب ، كُتِب عليه العناء ..!

صلينا عليه .. و وقفت على القبر ، يهيلون عليه التراب ، و أعد ذراته .

كأنّ غيبة الروح .. التي غادرت للأبد ، لا تكفي لتفصل بيننا ..؟ كأنّ الحِمْل و المسؤولية ، التي تركها ، رجلٌ (كبير) مثله .. ليحملها رجلٌ (صغير) مثلي ، لا يكفي ، لأعرف جسامة البرزخ الذي يفصلنا ..؟

في الساعة الثانية عشرة .. منتصف الليل ، كنت في طريقي لـ (عليشة) .. ابراهيم إلى جانبي .. و الحزن معنا ، و أم جريحة .. تركناها وراءنا .

الأربعاء 20 رمضان 1425 هـ :

الساعة الواحدة صباحا ، كنتُ في طريق الملك فهد .. عائداً ، متّجهاً شمالا .

المستقبل المجهول ، بأضعاف امتداد الطريق ، و بأضعاف سِعَته .. (وَحِيدٌ) ، بلا رجال :

رجل أَوْدعتُه الثّرى.. و رجلٌ نزل ، يمشي على قدميه، إلى زنزانته .. وتركني.

د . محمد الحضيف

رحلة (القلب) .. الأخيرة .. ! · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رحلة (القلب) .. الأخيرة .. !ص ١٩