ثانيًا: إن هذا الحديثَ بيانُ عملي لقولِه - سبحانه وتعالى -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة 22).
فالآيةُ الكريمة تتحدث عن وجوب اعتزال الرجل زوجته الحائض، وعدم الاقتراب منها؛ حتى تطهر من حيضتها، وليس تناقضًا كما زعم المعترضون ....
وأتساءلُ: فهل الاعتزال وعدم الاقتراب منها المشار إليه في الآية الكريمة، هو المفهوم عند اليهود (أنها نجسة)؟
الجواب: هذا السؤال ورد على لسانِ أصحابِ النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ الذي رواه مسلمٌ برقم 455 عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:" اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ " فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا.
إذًا: كانت الإجابةُ البيان القولي والعملي من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بإباحةِ كل شيءٍ من الزوجةِ الحائضِ إلا الجماع؛ فالمراد بالاعتزال في الآية هو: اعتزال الفرج فقط في فترة الحيض، وما عدا ذلك فهو مباح، وسنة عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -، مثل أن يأكلا ويشربا معًا، ويتضجعا معًا عند النوم، ويباشرها فيما عدا الفرج فقط ...
كي لا يشعرها بأنها محتقرة ونجسة ...