ثم قام بالفتوى بعده بَرْك الإسلام، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن أولئك أصحابه صلى الله عليه وسلم ألين الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً وأحسنها بياناً، وأصدقها إيماناً، وأعمُّها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة، وكانوا بين مكثر منها ومقل. وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. وقال أبومحمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم .. وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء. قال مجاهد: العلماء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ..
ثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء، كسعيد بن المسيب؛ راوية عمر وحامل علمه. قال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: سعيد بن المسيب - وكان أفقه الناس -وعروة بن الزبير، وكان بحراً لا تكدِّره الدلاء، وكنتَ لا تشاء أن تجد عند عُبيد الله طريقة من علم، لا تجدها عند غيره إلا وجدت. وكان المفتون من التابعين: ابن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وهؤلاء هم الفقهاء السبعة. (1)
ثم جاء بعدهم الأئمة الأربعة وتلاميذهم الذين نشروا علمهم وفقههم، واستقرت هذه المذاهب على مدى هذه القرون، ما خلا أزمان فيها من يملك الاجتهاد المطلق، وهم قليل على مدى هذه القرون، ولكن الخير في هذه الأمة لا ينقطع؛ فقد وُجد من أهل الرسوخ والفتيا ممن هو من عجائب الدنيا، قوة وتمكناً ورسوخاً. ولنأخذ نماذج من عجائبهم وقوة حفظهم، وثاقب فهمهم للتصدي لكآدة الفتوى وعقباتها الصَّعود.
(1) إعلام الموقعين (1/ 11).