وكان شيخنا رضي الله عنه شديد الإنكار على هؤلاء ، فسمعته يقول : قال لي بعض هؤلاء : أجعلت محتسبا على الفتوى ؟ فقلت له : يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب ؟! ) (1) .
ومضى مصب الإفتاء مصاناً عن تدنِّيه بأنصاف المتعلمين فضلاٍ عن الجاهلين ، خلا فترات من الفتور تعتريه عبر القرون ، حتى زمننا هذا الذي يتفاوت أثر هذا المنصب فيه من بلد لآخر .
ففي المملكة العربية السعودية ننعم – بحمد الله – بجهة شرعية معتبرة ، وذلك بما يسمى رسمياً بـ ( هيئة كبار العلماء ) والذين لهم جلسات محددة ، يطرحون فيها المستجدات من النوازل ، ويتولى منهم الدخول فيما يسمى بـ ( اللجنة الدائمة للإفتاء ) وهي تصدر فتاوى لكل الجهات فردية أو رسمية ، وهي مخولة ومعتمدة ومعتبرة رسمياً لإنفاذ الوزارات – مثلاً – ما يصدر منها . وكلا الجهتين يتكون منهما نخبة العلماء الذين يسمع لهم ليس في المملكة فحسب ؛ بل في العالم الإسلامي ، والأقليات المنتشرة في العالم ، كيف لا ؛ وبلدنا مهوى أفئدة المسلمين . وقد مَنَّ الله علينا بعلماء راسخين سليمي العقيدة ، ينطلقون من أصول العلم الشرعي ، ويملك عدد منهم حق الاجتهاد .
ومما يزيد الأمر حسناً أن بلادنا لا تجعل الأمر حكراً على علماء بلادها ؛ بل تستقبل علماء البلدان الإسلامية ، وتمنحهم الدولة – وفقها الله – حق الحصول على الإقامة والجنسية والعمل ، بل وصار منهم ضمن هيئة كبار العلماء في بلادنا كالشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ، وغيرهما – رحم الله الجميع - .
لكن لو خرجنا وتجولنا في بلاد أخرى كمصر – مثلاً – لوجدنا الأمر يختلف كثيراً ، ولذا نجِدُ أن جامع وجامعة الأزهر هو المثِّل الرسمي للدولة ، لكن ما حقيقته ؟ فلننظر إلى الجواب ضمن ما طبعوه باسم : فتاوى الأزهر ؛ إذ يقولون فيه :-
(
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين - (5 / 79)