تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهذا لم يقو الجيش العثماني على الوقوف في وجه العدو إلا قليلا، ثم أخذ بالتقهقر حتى بلغت الجيوش الروسية مدينة أدرنة، وهناك رأت الدول أن الغاية من إنهاك قوى الدولة قد حصلت وأن دخول الجيوش الروسية إلى الأستانة خطر عظيم على مصالحهن في الشرق والغرب؛ فتداخلن في الصلح بين الدولتين على كره من روسيا، وأمضيت بينهما معاهدة أدرنة سنة (1829م) وقد ردت الروسيا بمقتضاها إلى الدولة العلية كل ممالك البلقان.

وعلى عقب هذه الحرب وإنهاك قوى الدولة وجهت فرنسا فكرها إلى إفريقيا الشمالية الغربية، وانتهزت فرصة ضعف الدولة واضطراب حالة الجزائر، فهاجمتها بحجة الانتقام من واليها لإهانة ألحقها بالقنصل الفرنساوي، وما زالت الحرب ناشبة بينها وبين الجزائريين حتى سنة (1847م) حيث بسطت عليها جناح سلطتها إلى اليوم.

رأيت أيها القارئ العناء الدائم الذي لاقته الدولة العثمانية من مكافحة أوروبا ومصادمة الدول الطامعة في ملك الإسلام، وربما قلت إن دولة بلغ بها الوهن وضعف القوة من الحروب المتوالية مبلغا يستدعي اتفاق الدول الأوروبية على اقتسام ممالكها منذ أكثر من مائة سنة ولم تفعل فلم هذا؟ فنجيبك: أن لهذا سببا ها نحن باسطوه لديك.

إن الدول الأوروبية لما وجهت مقاصدها إلى الشرق ورغبت في الفتح والاستعمار في البلاد القاصية كانت الدولة العلية في مكانة من القوة لا تتطاول إليها الأعناق ولا تتناولها الأطماع، فكانت كسد منيع قائم بين الغرب والشرق ليس فيه منفذ تتسرب منه جيوش تلك الدول الفاتحة إلى ممالك الإسلام في الشرق الأدنى، حتى اضطرت الدول إلى تحويل وجهتها إلى ما وراء البحار ودارت أساطيلها حول الكرة عن طريق رأس الرجاء لتبسط جناح سلطانها على ممالك الإسلام في الشرق الأقصى، وشغلها من هذا الفتح الجديد شاغل عظيم عن تركيا حتى إذا بدأ الوهن والضعف يظهران على الدولة العثمانية وسنحت لأوروبا فرصة العمل في تركيا، ظهرت شوكة العنصر السلافي المنتشر من حدود الطونة إلى أقصى الشمال في الروسيا، وذلك بهمة بطرس الأكبر الذي نهض بالأمة الروسية إلى مقام السياسة نهوضا ارتج له الغرب، وأخذت من ثم الدولة الروسية تنازع الدول الأوروبية بحكم الوحدة المسيحية على مشاطرة الممالك الإسلامية، وأقرب ما يكون إليها القسطنطينية التي تشبه بمركزها الجغرافي مرتفعا مشرفا على الأرض إذا اعتلا قمته النسر الروسي بسط جناحيه على الشرق والغرب، وهو مطمح نظرها في كل آن، فهال الدول ذلك المنازع الجديد وأخافها طموع الروسيا إلى الأستانة ومحاولة خروجها بقوتها العظيمة إلى شطوط البحر الأبيض، وأكثر ما أخاف ذلك دولة إنكلترا لا سيما وأن الروسيا لم تنحصر مطامعها في تركيا، بل امتدت إلى الهند، فكانت تهدد إنكلترا من جهات التركستان، وتنازعها النفوذ في البامر وفارس وخليج العجم، فهذا ما جعل الدول وفي مقدمتهن إنكلترا تنكمش عن التطاول إلى تركيا ما دامت الروسيا شريكة معهن في اقتسام ممالكها، ومن ثم غيرن وجهة سياستهن في الشرق حيث عدلن عن الاتحاد على اقتسام الممالك التركية إلى ترقب الفرص المناسبة لاختطاف كل دولة على حدة جزءا منها مع بذل الجهد في منع الروسيا عن التجاوز إلى داخل المملكة العثمانية، وكان من نتائج هذه السياسة مشاركة الدول للدولة العثمانية في حرب القريم التي كان منشؤها الامتيازات الأجنبية التي كانت بلاء على الدولة وسببا عظيما من أسباب تحكك الدول الأوروبية بالدولة العثمانية وإليك البيان.

تنازع قسس الروم مع قسوس الكاثوليك في القدس سنة (1260ه) في شأن يتعلق بكنيسة القيامة، وتصدت الروسيا للانتصار للروم توسلا إلى الأغراض الكامنة في نفس الإمبراطور «نقولا» إمبراطور الروس، فتداركت الدولة الأمر وأخذت على نفسها إجراء التحقيق اللازم في هذا الأمر وإحقاق الحق حيثما كان، ولم تدع للروسيا ولا لفرنسا سبيلا للتداخل في هذا الحادث، ولما كادت تصل إلى فصل النزاع، ووضع الحق في نصابه لعبت يد الدسائس الروسية بقسوس الروم فلم يقتنعوا بالتحقيق الذي عملته الدولة، وتعدوا على حقوق اللاتين في الكنيسة وهدموا منها مكانا يختص باللاتين، فاحتج على ذلك سفير فرنسا في الأستانة المسيو بوركنه، وطلب إلى الباب العالي عمل تحقيق دقيق في هذا الأمر، مستندا إلى المعاهدة المنعقدة بين فرنسا والدولة العثمانية سنة (1156ه) التي تخول لفرنسا حق حماية الكاثوليك في الشرق.

الجامعة الإسلامية وأوربا · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامعة الإسلامية وأورباص ٩