تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما امتيازات القناصل فإنها كانت الآفة الكبرى والوسيلة العظمى التي توسل بها الدول إلى إرهاق الدولة، لا سيما بما استزدنه بعد عهد السلطان سليمان من المنح والامتيازات الأخرى التي تخول بعض الدول حماية الكنائس في الشرق، وبعبارة أخرى حماية المسيحيين تذرعا بذلك إلى خلق المشاكل التي تمهد لهن السبيل إلى التسلط على ممالك الدولة عند سنوح الفرص الملائمة، ونذكر من هذه المنح والامتيازات ما أعطي لدولة فرنسا سنة 1740 من حق حماية جميع قسس الكاثوليك في المملكة العثمانية.

وبينما الدولة العثمانية تخبط في ديجور الحيرة في دورها هذا؛ أي دور التدلي والانحطاط، وتتسرب إليهما أفاعي الدسائس والامتيازات والدول الأوروبية تقضي لباناتها من الممالك الإسلامية في أقصى الشرق، وتوالي هجماتها على الثغور الإسلامية من إفريقيا الشمالية الغربية كتونس والجزائر وطنجة وسلا والعرائش، سعى أحد الباباوات بتحالف الدول الأوروبية على الدولة العثمانية، فاتحدت كل من النمسا وبولونيا والبندقية والروسيا ورهبنة مالطة وذلك سنة (1094ه) و(1683م) اتحادا سموه الاتحاد المقدس، وهاجم هؤلاء الدول المملكة العثمانية من البر والبحر وأصلوا بلادها حربا تشيب لها الرءوس، وفي غضون ذلك كانت الدولة الروسية تعد بهمة بطرس الأكبر عدوا هائلا للمسلمين يهدد أوروبا العثمانية والقوقاز والتركستان وفارس وكل آسيا الوسطى وأمرائها من المسلمين بسيل جارف يقضي على بقية الممالك التي لم يتيسر للدول الأوروبية الوصول إليها وسلب استقلالها، وأخذ بطرس الأكبر بمناوئة الدولة العلية، وآثار عليها حربا عوانا لم يصادفه فيها التوفيق فحول وجهته إلى جارتها أي دولة الفرس، وانتهز فرصة ضعفها وانقسامها، فتجاوز جبال القفقاس، واكتسح إقليم داغستان وكل الثغور الغربية الواقعة على بحر الخرز ، ووضع وصيته المشهورة التي يوصي بها أخلافه بصرف الهمة إلى القضاء على استقلال التتار في بلاد القريم وتدويخ الممالك التركية والإيرانية، والاتفاق مع بعض الدول الأوروبية على الرضا بذلك، فتبع قياصرة الروس بعد ذلك هذه الوصية على قدر ما وصل إليه جهدهم، فتوفقوا في بعضها ولم يتوفقوا في البعض الآخر، ولما كان عهد الإمبراطورة كاترينا (إلى سنة 1773م) أخذ الروس بدس الدسائس في القريم وإلقاء الشقاق بين الأهالي بعد أن سعوا باستقلال القريم عن تركيا استقلالا تاما في معاهدة قينارجة الشهيرة، حتى توصلوا إلى احتلال القريم وامتلاك سواحل البحر الأسود الشمالية، ثم اتفقت الإمبراطورة كاترينا سنة (1194ه/1780م) مع إمبراطور النمسا يوسف الثاني

3

على اقتسام تركية أوروبا وبعض جزائر البحر الأبيض وإقامة حكومة جديدة في الأستانة كالحكومة البزنطية المنقرضة، وإرضاء دول أوروبا بشيء من هذه القسمة، تنفيذا لوصية الإمبراطور بطرس الكبير، فقدم سفيرا روسيا والنمسا إلى الباب العالي تقريرين يشتمل كل منهما على ثلاثة مواد تتضمن: (أولا) طلب الدولتين لحرية التجارة، وأن تضع النظامات اللازمة والإصلاحات الموافقة لحرية الملاحة، ونقل المحصولات من ثغورها البحرية مراعية في ذلك الأصول والنظامات المعمول بها عند أكثر الدول الأوروبية، (ثانيا) عدم مداخلة الدولة في أمور التتار، واعتبار الخان مستقلا في حكومته، (ثالثا) رفع الجزية المضروبة على الإفلاق والبغدان.

وقد استشعرت الدولة من هذين التقريرين بالنيات الروسية السيئة، وظهر لها أن هناك اتحادا بين الدولتين يراد به محوها من الوجود، فعقدت في الأستانة في محرم سنة (1197ه) مجلسا للمشورة والإيجابة على هذين التقريرين، فرأى المجلس أن الدولتين تريدان التحرش بالدولة واستفزازها للحرب لتعزوا إليها نقض العهود السابقة والمبادئة بالعدوان، فينقضا عليها بالخيل والرجل مع أنهما هما البادئتان بالعدوان، وأن بينهما اتفاقا سريا على مهاجمة الدولة، وقد أخذا لأنفسهما أهبة الحرب مع أن الدولة لم تكن كذلك، فأقر المجلس على أن يجاوبا عن التقريرين جوابا محكما يدافع به رغباتهما الخبيثة ريثما تأخذ الدولة أهبتها للحرب، وأن تباشر من تلك الساعة أمر الاستعداد والتجهز لما عساه يكون بلا توان ولا إهمال ، فأجابت الدولة جوابا خلاصته: أن التقريرين المقدمين من سفيري الدولتين المحبتين قد نظر فيهما، وقدرت الدولة سعي واهتمام الدولتين الحبي بالإصلاح المطلوب حق قدره، وستنظر من الآن في الوجوه التي تشكو منها دولة الروسيا مطبقة أعمالها على العهود السابقة، وأن بادرت الدولة بتقديم هذا الجواب لسفيري الدولتين المتحابتين لتكونا واثقتين بأنها كانت ولا تزال حريصة على السلم والمصافاة.

الجامعة الإسلامية وأوربا · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامعة الإسلامية وأورباص ٧