وهذه الحروب الصليبية التي أثار نارها في أواخر القرن الحادي العشر للمسيح الراهب بطرس الناسك والبابا أوربانس الثاني، فمع استمرار هذه الحروب مدة تزيد عن جيلين، فإن المسيحية كانت أنشط في جمع كلمة أهلها من الإسلام، ولم يعهد في تاريخ تلك الحروب اجتماع لكلمة المسلمين كما اجتمعت كلمة المسيحيين، بل كل ما عهد في التاريخ أن السلطان نور الدين زنكي أمكنه بحكمته وجميل شيمه وحسن سياسته أن يجمع إليه باسم الدين كلمة بعض الأمراء الأتابكية في الجزيرة وسورية سنة (559ه) بعد ما لاقى من جيوش الصليب ضروب القهر وأشرفت دولته على شفا السقوط، وبعد أن أخذ يكاتب العباد والزهاد ممن لهم سلطة روحية على نفوس العامة في الجزيرة مستنجدا بنفوذهم مبينا لهم ما وصل إليه إخوانهم المسلمون من الضنك وما يتهددهم من خطر الاضمحلال العاجل، فأنجده حينئذ بعض أمراء الجزيرة.
بل إن هناك كارثة أعظم ومصيبة أكبر وأعم حلت في أوائل القرن السابع الهجري بالشرق الإسلامي، فعفت بها آثاره وتداعى عمرانه، وتضاءلت دوله، وقضي على الخلافة العباسية في عروس أقطاره وعاصمة ملكه، ألا وهي هجمات التتار الذين خرجوا من أقصى الشرق فغزوا الممالك الإسلامية بخيلهم ورجلهم، وقصدوا الشرق الأدنى بقضهم وقضيضهم، فكانوا كشواظ من نار يلتهم كل ما أتى عليه من الخضراء واليابسة حتى بلغوا سورية وآسيا الصغرى، وإليك ما قاله ابن الأثير في حوادث سنة (617ه) في مقدمة كلامه على كارثة التتار؛ لتعلم مبلغ فعلها في المسلمين وقبيح أثرها في البلاد، قال:
لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلا وأوخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فياليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.
إلخ ما وصف به هذه الحادثة.
وأنت ترى أنها حادثة كبرى كانت تهدد كل دول الإسلام في الشرق الأدنى بالزوال، وتنذر المسلمين بسوء المآل، وقد شعروا عند أول صدمة من صدمات هؤلاء الهمج الوثنيين الغزاة أن لا قبل لعصبيات الدول والشعوب الإسلامية بهم، ولا قوة تصد تيارهم المتجه صوب الممالك الإسلامية إلا قوة الاجتماع التي تقابل قوتهم، ولم يكن أدعى يومئذ لمثل هذا الاجتماع مثل الدين الذي يضم تلك الدول المتفرقة والعصبات المتغالبة بحكم الرابطة الإسلامية، ومع هذا فلم يجمع على هذا الأمر رأي، ولم تقل بوجوب السعي إليه والاعتصام به دولة من تلك الدول المخذولة التي يقرأ أمراؤها في كتابهم المنزل
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، بل انفرد كل قوم بعصبيتهم، وزادت كل دولة عن حوضها بسلاحها حتى وهنت قواهم جميعا، وفعل التتار في ممالكهم فعلا مروعا انتهى بالتسلط على أكثر الممالك الشرقية الإسلامية وبزوال الخلافة العباسية.
| هل صحيح ما تقوله أوروبا عن الجامعة الإسلامية؟
علمت أيها القارئ من هذا التمهيد أن الاجتماع يستدعي بطبيعته وجود الروابط القومية والوطنية إلخ، وأن الغرض من هذه الروابط حفظ التوازن بين قوى المجتمعات الإنسانية الميالة إلى المغالبة بحكم الأنانية والطمع، وأن أقل هذه الروابط تأثيرا في المجتمعات رابطة الدين، وأن المسلمين لم تجمعهم هذه الجامعة يوما حتى ولا على التعاون على دفع الكوارث الكبرى التي حلت ببلاد الإسلام من هجمات أهل الصليب والتتار، ولو اجتمع المسلمون أمام أمثال هذه الجوامع الكبرى، سواء في ذلك الوقت أو الآن أو في كل زمان، لأتوا عملا تستدعيه طبيعة الوجود لا سبة فيه ولا مؤاخذة عليه، إلا إذا محيت من صفحات الوجود قوانين الروابط الاجتماعية بحكم الأخوة الإنسانية والمساواة العامة بين أفراد البشر وأقوامهم، ولا يكون هذا ولن يكون إلا إذا استبدل البشر بخلق آخرين من جنس الملائكة المطهرين.