وبناء على هذه الاعتبارات كلها، فإني كما نصحت لإخواني المسلمين أنصح لكم أيها الساسة الكرام أن توقنوا أن المسلم إنسان كامل يتأثر بكل المؤثرات التي يتأثر بها غيره، وأنه يأنس بمن يحسن إليه، وينفر ممن يسيء إليه، وأن المسلمين الذين سادوا على كثير من الممالك، وشيدوا بنيان التمدن الإسلامي، وأدخلوا دينهم وتمدنهم إلى كثير من ممالك آسيا وأوروبا وإفريقيا، وبسطو سلطانهم على جزء عظيم من الأرض، يضنون بالبقية الباقية لهم من السيادة، ويحرصون على أن لا تأتي أوروبا على آثار مجدهم القديم، فمن الصعب بل المستحيل أن تذهبوا أيها الساسة بحياة المسلمين السياسية في أنحاء الأرض؛ لأنها مرتبطة بحياتهم المادية، والفراغ الذي يشغله من الكرة ثلاثمائة مليون من البشر يستحيل أن يشغل بغيرهم من جنس البشر إلا إذا خلف فراغا مثله أنتم أحوج إلى شاغليه في متاجركم وصنائعكم، فاتقوا الله والإنسانية في سياستكم البالغة منتهى التهور والأنانية الباطلة مع المسلمين، واعلموا أن دعواكم العريضة في نصرة الإنسانية ونشر التمدن وما شابه ذلك من الألفاظ إنما تكون بأن تساعدوا الأمم الإسلامية على الرقي مساعدة الإنسان لأخيه، وأن تسعفوا المحكومين منكم من المسلمين بما هم في حاجة إليه من الحرية والعدل وتشرب روح العلم والمدنية، وأن تعرفوا لهم من الحقوق ما تعرفه كل حكومة إسلامية لغير المسلمين من رعيتها تبعا للقاعدة الإسلامية المحتم عليهم العمل بها، وهي «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، وعندئذ ترون من إخلاص المسلمين لكم، واعترافهم بالجميل لحسن معاملتكم والتودد إليكم ما يذهب بثورة الغل من الصدور، ويؤلف بين الشرق والغرب.
إن المسلمين في الهند لما كان الإنكليز يعاملونهم بالقسوة ويمتهنون حقوقهم امتهان القوي لحقوق الضعيف تنكروا لهم تنكرا يعرفه الإنكليز، ولما أخذوا من عهد غير بعيد بأن يحسنوا إليهم في المعاملة وينشطوهم على السير في سبيل الرقي ولو ببطء، انقلب ذلك التنكر إلى إخلاص وتودد بنسبة ما يرونه من حسن المعاملة، وذلك اعتراف من المسلمين بالجميل، ومقابلة للإحسان بالإحسان، ولما كان الإنكليز أصدقاء الدولة العثمانية يسعفونها في المآزق السياسية، كان المسلمون في الشرق يقدرون قدر هذه الصداقة، وكان المسلمون في تركيا يميلون بكل قلوبهم إلى الإنكليز ميلا يؤيد ما عندهم من رقة الشعور ومعرفة الجميل، وإنما تباعدت قلوب المسلمين الآن عن الإنكليز لما انقلبت صداقتهم تلك إلى عداوة ينكرها عليهم الآن مسلمو تركيا، ويحس بخطرها عقلاء الأمة الإنكليزية، وفي هذا دليل على أن المسلمين - كما ذكرنا - شديدوا الشعور بالجميل ليس كما تصورونهم أو تتصورونهم أيها الساسة، فخير لكم أن تصافحوا هذه الأمة مصافحة الأصدقاء، وتقلوا من ذلك العداء، وليس في هذا أدنى خطر على مصالح أممكم التجارية كما تزعمون، بل بالعكس إذا أفسحتم للمسلمين مجال الترقي، ولم تتعرضوا لشئونهم الداخلية بما يعوق سيرهم في سبيل المدنية والاستقلال جعلتم ممالكهم سوقا غنية لمتاجركم وصناعاتكم، والشرق مهما ترقى لا يستغني عن الغرب، والغرب كذلك في حاجة إلى الشرق، والمستقبل كشاف لما في ثنايا الأيام والسلام. ا.ه.