ومن الأدلة : حديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده مرفوعاً : (( ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله )) فانظر كيف اعتبر القصد فإن المفارقة بالأبدان مما ينقطع بها خيار المجلس فنبهت الشريعة أن هذه المفارقة لا يجوز أن يقصد إلزام الآخر بالبيع فإن في ذلك القصد إبطالاً لحقه في خيار المجلس وبناءً عليه فمن تبين لنا من قصده بالمفارقة أنه يريد قطع خيار صاحبه فإن هذه المفارقة لا تعتبر شرعاً نظراً إلى المقاصد والدوافع مما يدل على اعتبارها شرعاً والله أعلم .
فهذا طرف يسير من أدلة هذه القاعدة العظيمة والأصل الجامع وإليك الآن بعض فروعها المتدرجة عليها لتتضح أكثر فأقول :-
من الفروع : قول الفقهاء : ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمراً ولا سلاح في فتنة ، ولا أمه للزنا ولا داراً ليفعل فيها شيئاً المحرمات أو دكاناً ليبيع فيه محرماً فإن ذلك كله لا يجوز فمن علم منه أنه يريد ذلك بالقرائن فإنه لا يجوز معاملته بذلك ولذلك نقرر هنا ضابطاً مهماً وهو قولنا : ( لا يصح بيع ما قصد به الحرام ) ، وذلك لقوله تعالى : ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ ولأن القصود في العقود معتبرة ، فبيع السلاح لمن يقتل به مسلماً محرم لا يجوز ، وبيعه لمن يجاهد به في سبيل الله طاعة وقربة ، فصورة البيع واحدة لكن اختلف الحكم حلاً وحرمة لاختلاف المقاصد وذلك لأن القصود في العقود معتبرة ، ومثل ذلك شراء الكأس ليشرب فيها ماءً جائز ، وليشرب فيها خمراً محرم ، لأن المقاصد معتبرة شرعاً ومثل ذلك أيضاً بيع الجوز والبيض لمن يجعله قماراً لا يجوز لأنه من الميسر المنهي عنه بالكتاب والسنة ، ومثله أيضاً بيع غلامٍ لمن عُرف بالوطء في الدبر ، أو بيع أمةٍ للغناء ، وذلك للنهي عن بيع المغنيات ولأن ذلك من الإثم والعدوان ، فمن علم منه ذلك بالقرائن أو بغلبة الظن فإنه لا تجوز معاملته بذلك لأن القصود في العقود معتبرة والله أعلم .