ثالثاً : يجوز له التصرف في المبيع بغير بيعه من هبه ووقف ووصية وإعارة ونحوها قبل قبضه ، لأن هذا ليس ببيع والأدلة إنما حرمت البيع فقط . ولعل القاعدة بذلك تكون قد اتضحت معالمها وبانت مراسمها والله يحفظنا وإياك وهو أعلى وأعلم .
القاعدة الحادية والعشرون
كل مباحٍ أدى تعاطيه إلى محرم فهو حرام
وهذه القاعدة داخلة تحت قاعدة سد الذرائع التي لها في الفقه المنزلة العالية والمرتبة الرفيعة ، وبيانها أن يقال : إن المباحات يحكم لها بالإباحة بالنظر إلى ذاتها ، أما بالنظر إلى مقاصدها فإنها تختلف أحكامها باختلاف ما يراد بها واختلاف آثارها ونتائجها ذلك لأن المباحات وسائل ، وقد تقرر في الأصول أن الوسائل لها أحكام المقاصد ، فوسائل الواجب واجبة ، ووسائل المحرم محرمة ، ووسائل المندوب مندوبة ، ووسائل المكروه مكروهة ، ووسائل المباح مباحةٍ ، وهذه القاعدة تبين أن هذا المباح إذا أدى تعاطيه بيعاً وشراءً وهبة ونحو ذلك إلى أمرٍ من الأمور المحرمة فإنه يكون ممنوعاً ، أي أن الشريعة تمنع من التعامل به وتحرم تعاطيه سداً لذريعة الوصول إلى الحرام ، وهذا داخل تحت عموم قوله تعالى : ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ ولأن تمكين الغير من هذا المباع الذي سيتوصل به إلى الحرام منافٍ للنصيحة الواجبة ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( الدين النصيحة ... وذكر منها : ولأئمة المسلمين وعامتهم )) وقال عليه الصلاة والسلام : (( وإذا استنصحك فانصح له )) ، وفي المنع من ذلك أخذ على أيدي من يريدون خرق السفينة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : (( فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ، وإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعاً )) متفق عليه . وفي الحديث : (( لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخمر عشرة :عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له