تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يواجهون الناس بدعوتهم التي تخالف أهواءهم وانحرافاتهم، وغالباً ما يقابلونها بالرفض والإنكار وإيذاء الدعاة، فإن لم يتخلق الدعاة بخلق الصبر الجميل أصابهم الجزع والهلع، والقعود عن الدعوة، ولهذا أمر الله رسوله الكريم بالصبر على أذى المشركين وهو يدعوهم إلى الله، وفي هذا الأمر بالصبر أمر للدعاة المسلمين، قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (1)، وقال تعالى: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (2)، وعلى الدعاة أن يجعلوا صبرهم بالله ولله، يجعلوه بالله أي يستعينوا بالله ليصبّرهم، ويجعلوه لله أي في سبيل مرضاة الله. ولقد قُرن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر؛ لحاجة القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الصبر. وعلى الدعاة أن يتحلوا بالصبر الجميل الذي لا شكوى فيه، فإن عاقبة الصبر الظفر المطلوب وإن طال انتظاره، فإن زوال الشدة قد لا تحصل إلا بعد عشرات السنين، فلا يجوز أن يستعجل الدعاة بلوغ الغاية والظفر بالمطلوب، فإن الأمر بيد الله، وكل ما عليهم هو أن يثقوا تماماً بأن العاقبة للصابرين، ولا يشترط أن تكون في هذه العاقبة أن تكون عاجلة.

وإذا كان الابتلاء مما قضت به سنة الله في الحياة قال الله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (3)، فإن ابتلاء الدعاة إلى الله مما جرت به السنة الإلهية أيضا، فإذا لم يحتمل الداعي هذا الايذاء، ولم يصبر عليه ويحتسبه عند الله، وآثر العافية وبرد العافية على حساب دينه، وعلى حساب وقفته مع الحق، ورضي بالقعود عن الجهاد، ومواصلة السير في طريق الدعوة، فإنه يكون بذلك قد أخفق في تخطي هذه العقبة، وحرم نفسه شرف الانتساب إلى قافلة المجاهدين، ويستبدل الله به غيره، قال تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (4). والحقيقة أن الله غني عنا وعن جهادنا، قال تعالى: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (5).

(1) () سورة الاحقاف: الآية 35.

(2) () سورة يونس: الآية 109.

(3) () سورة العنكبوت: الآية 2.

(4) () سورة محمد: الآية 38.

(5) () سورة العنكبوت: الآية 6.

قطوف دانية من فقه الدعوة · الصفحة ٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قطوف دانية من فقه الدعوةص ٢٣