تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أذكر أبي… والكيفيّة التي هاجرَ بها بحيثيّاتها وتفاصيلها المكرورة. لم أرَ شيئاً من ذلك، ولا حتى أبي، فعمري الآن لا يتعدى الخامسة عشرة، لكنّ الضيعة تذكر… والسنديانات والمفارق والربوات وصنوبرات الجبل والمنحنيات يومَ رحيله…

كانَ نهاراً رمادياً، رائحة الشتاء تهبط من الأقبية الرطبة تنزلق على الجدران الطينية تاركةً أثر عفونة. تنساب من التربة العطشى جنيّةٌ تصوغ من الطين والبَلَل رُضاب عطر ينعش الأرواح.

الناس واجمون كأنّ جثماناً سيُشيَّع أو مهلكة ستقع، لا حسّ ولا صوت خلا همهمات انتثرت في جنبات البيت العاتم الذي أَمّهُ الغريب والقريب. وفي الساحة المسترخية قدّام باب خشبي تجمهرَ أطفال وصبية ومتطفلون يشهدون وداع ربّ الدار. وكانت شجرة لوز عمرها من عمر البيت تحني أغصانها أسفاً وبدا أنّ جذعها أوغلَ في التقشّر، وجذورها توشك أن ترخي قبضتها وترفع أصابعها الأخطبوطية عن أعناق الصخور.

وحينَ أزّت عجلات سيارة غريبة، عانقَ الجيران أبي وارتجّت أصوات النساء حادّةً في أجواء الحارة تنثر الدعوات بالتوفيق والسلامة. وكشفرة تقشط جناح فراشة ملأ بكاء أمي النفوس ألماً وتطّيراً وآخر ما رجمت به أبي قبل أن يتوارى لخمسة عشرَ عاماً دون خبر صراخُها النافذ حتى العظام:

-رح، اتركني وحدي.. الله لا يسهّل وإن فكّرت بالرّجعة فلأجل ما ببطني وهؤلاء…

وشدّت إلى خاصرتها ووركيْها أختي (بهيرة) وصبيين آخرين، أما أنا فلم أكن رأيت النور بعد.

سافرَ أبي وهيهات أن يرجع بسلامة أم بدونها. المهمّ في الأمر أنّ أمّي تناست غيابهُ من لحظة رحيله ببدلة مستعارة، وحقيبة تبرّعَ بها أصحاب صرَّ فيها ملابسهُ وساعة بسلسلة فضيّة وليرات وفرنكات شدّها بحزام في كيس صوفي بدا كخابية صغيرة أو إبريق.

قصص الخط الحديدي · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قصص الخط الحديديص ٩