تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هندامي المبهرج يُسيء للقدّاس… ألبس بنطال (شارلستن)، أسود وقميص أبيض بقبّة عالية. أحرص على بساطة مكياجي ونعومة تسريحتي… الأخت (ماري روز)، تصفّ المرتلين في أنساق وتوزّع عليهم الكراريس. لا يُشعرني استقبالها الحار بضرورة تعليل تأخيري. في القاعة بعض أعيان..، يستملحونني إذ أضع يدي على معدتي وأخفض عنقي محيية. أرفع غطاء البيانو وأحدد الأنشودة والمنعكس الواجب إحداثه في نفوس الحاضرين..، (وقاري) هو المطلوب لقدسيّة الظرف.. يكتسي وجهي نبالة صارمة وعبوس تأمّلي زهدي لكنهُ صادق، فاضح لحقيقة طبعي. أوقع أول أنغامي فيواكبه المنشدون بمناجاة مؤثّرة:

ياسيدي كم كان قاسياً

موتُ صليب العار

وحملته من قبل أن يحملك

يابار…

تنسفح ساعتان بين عزف وتجويد أداء جُلُّه يخصّ بكائيّة (الأم الحزينة) ومرثيّات تُجاريها صعوبة.

وحدها المناحات تردّ صفاء روحي… علائم التعب على وجوه المنشدين توقظني من انغماسي بعملي. أعلن كفاية التدريب فيبادرني الحاضرون بامتنان عميق لجهدي. لا أدّعي التمثيل فيما صنعت، لكنّ انحناءاتي المفرطة لدى المغادرة تنذر بالتكلّف لولا تحاملي على نفسي وانطباع بالأنس والكياسة أخلّفه ورائي.

أصلُ البيت. نصف ساعة تفصلني عن موعدي اللاحق. الوقت عصراً... ماعدتُ أشتاق قالب الزبدة ولا بمقدوري طهو ما يُرضي ذوقي ويخرس جوعي. يرنّ الهاتف. نصف الساعة لا تأذن بالردّ…. يروق للطفولة غالباً أن نقتدي بها، .. أن تلتقي الأطفال، يعني أن تغدو طفلاً. تحدوني الفكرة لارتداء فستان جينز وبلوزة مزركشة وانتعال صندل... أغدو أصغر سناً وأَبدى خفّة. لا أُدخل مأوى القاصرين قبل أن أواري تحجُّر ملامحي ونشافتي وبرودة طَلّتي (بمراحب) سارّة؛ وسلامات احتفاليّة:

ـ مرحباً صغاري؟ .. مرحباً كتاكيتي..؟!.. كيفَ أنتم سَواسني؟…

وجوه الأولاد تنقلب أقماراً تستحي وشموساً

تخجل. المباسم تنفرج، تتهلّل، والغمّازات تنثني عن ضحكات ناعمة.. أحسُّ أنصالاً تحزّ كبدي. في تضاعيف الحزوز قيوح مُنتنة وآلام تتمخّض عن عقدة ذنب.

أيُّ جرمٍ أشنع من خداع براءة؟

أكبس على الفرامل فينكبح شطحان ضميري. أنثر بأريحية "أمومتي"، الخالصة فيسرع الأولاد علىكراسيهم النّقالة ويلتّفون حولي ملائكة تتبرّك بتمجيد إله:

أبدأ أعزف النّوتة:

دو ري لا صول ... دو ري لالا صول

لا سي دو

دو ري دو سي لا صول ... دو ري دو سي لا صول

فا دو فا

يترجمون الفونيمات أداءً لغوياً ذا معنى:

قصص الخط الحديدي · الصفحة ٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قصص الخط الحديديص ٤١