ولم تصدق عينيها فأسرعت تحثها صيحات الناس وفرقعة الأكفّ اللاهبة لتلمس ما رأت لمس اليد، وظلت تجري غير مصدقة إلا أنّ أحداً يُمازحُها أو حلماً يُراوغها. وانبعثَ من بين الخيالات العارضة ما جعلها تؤمن بالحقيقة وتلمس الواقع بحواسَ صادقة، فها هوَ رجل تعرفه جيداً يسبقها على درّاجة هوائية. خلفهُ في صندوق خشبي صغير مطَّ ولدٌ لطيف جذعهُ الغضَ، ولوّح لها هاتفاً بفرح:
- ليا ااااا …… نحنُ هنا ااااا …
أخيراً انسحبَ الشريط بخفّة وَهفهفَ على الأرض، ودخلت (ليا) الاستاد بذراعين مرفوعتين وسعادة ذاهلة فهاج الجمهور … صفرَ وصفقَ وهلّل وزمر، وكانت الكاميرا المحمولة تواكب المشية المختالة لبطلة خمسة الآلاف متراً ولوحة الكومبيوتر العملاقة تسجّل رقماً قياسياً جديداً، أما حكّام النهاية فيدوّنون في الجداول الرقم (133) إلى يمين المركز الأول.
وفوق منصّة التتويج وقفت شاباتٌ ثلاث.. ..
واحدة تبتسم بقناعة واكتفاء.
وواحدة واجمة في زيّ أصفر وقمطة خضراء
وواحدة تبكي فرحاً...
وإذا سُئلت هذه الباكية لمن تهدي فوزها......؟ فستفكّر كثيراً وقد تجيب:
إلى كلب في لون ردائي.
24/4/1999.
((
الخط الحديدي
"إلى بيروت... حاضنة طفولتي"
منذُ عشرينَ سنةً كنا نقطنُ تلكَ البلاد. كشأنِ آلاف الأُسر الزاحفة بمعدات فارغة لاصطياد فرص عمل. وطالَ تنَقُّلنا بين البطاح قبلَ أن نستقر في العاصمة.
وكي لا نتبجّح أو نَدّعي (التحضّر)، أعترفُ بأننا لم نسكن قلب العاصمة بل أحد أطرافها المنسيّة، ومكثنا حتى اندلعت الحرب الأهلية التي لم تنسَ شيئاً ولم تذر.