حاولت أن تقرأ وجوه المتنافسات...، عثرت في بعضها على الاضطراب ممّوهاً بقناع من الوجوم. وفي بعضها لمست استعلاءً لا مبالياً أواطمئناناً متواضعاً، أو بروداً جليدياً لا يشي بشيء فلامت جُبنها وتخاذلها..، تخلّصت من (البيجاما) الثقيلة واتجهت بالشورت و (الشَّيال) إلى المضمار المكسو بطبقة من (التارتان) الفاخر، وفي الأعلى غصَّ الجناح المقبي من المدرّج بالمتفرجين.
تساءلت (لِيَا) ما سيكون عليه شعورُها حين تعود ثانيةً إلى الاستاد؟ فمنهُ المبتدأ وإليه المآب…؟ برأس عالية أم واطئة ستعبر بوَابتُه العريضة؟ بتصنيف أم بلا تصنيف؟ وتذكرت أنّ حيازة مركز من الخمسة الأوائل سيؤهّلها لمشاركة المنتخب الوطني معسكراً مغلقاً كعنصر رديف.
تحرّكت في (الحارة) الأولى رواحاً ومجيئاً، مشياً ثم هرولة ثم ركضاً خفيفاً، فمتوسطاً، فسريعاً...، وثبت في المكان ببطء ثم بسرعة عادية، ثم بسرعة فائقة حتى تخلّصت من الشعور بالثقل والتشنّج. وبهدوء، أجرت تمارين تمسيد أصابع القدم وتليين الكعبين والكاحل وبطّة الساق وعضلة الفخذ...، وثبت مجدداً لتحتفظ بحرارة جسمها... دارت بخصرها وجذعها يميناً، يساراً، للأسفل، للأعلى، للخلف...، وحلّقَّ ذراعاها في اتجاه دولابي واحد، ثم باتجاهين متضادّين ثم تصالبا أمام الصدر، وجهدت لجعل محور الدوران ينطلق من العضد وعظم الكتف.
إلى جانبها يقف المدرب منتظراً اللحظة المناسبة لقياس نبضها.
العام الماضي خاضت (ليا) البطولة أول مرة، حققت بصعوبةٍ نصراً مقبولاً فانتزعت المرتبة الخامسة مناصفةً، ولَشَدّ ما أخجلها فارقٌ هائلٌ في البعد بينها وبين من سَبَقَنْها. شعرت به حين انفجرَ الجمهور ضاحكاً لحظة دخولها الاستاد مع مناصفتَها وكل منهما تتفانى لسبق الأخرى فكأنَّ خلاصة الوجود ومغزاه رهنٌ بهذا الأمر، دونَ أن تفطنا لخلوّ الميدان، فقد اجتازت المتسابقات الأربعة خط النهاية، وجلسْنَ على المدرّجات منذُ وقت يتابعنَ بقية السباق بهزء.
بكت كثيراً ووارى المدرب امتعاضهُ ببرودتِه المألوفة متمتماً:
- لا بأس، الفشل بداية النجاح. ولم يبالِ كثيراً بمعنويات (ليا) أو تطوير أدائها، فمسؤوليتهُ تتوقف عند إعداد متسابقة تمثّل النادي في بطولة الجمهورية.
- النداء الثاني لسباق خمسة كيلو متر جرياً- شابّات.