تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هذا المكان من طرطوس، حوالي الخامسة من مساء /18/ شباط 1999.. لفظَ الزمن آخر أنفاسه، وأحنى عنقاً تعمشقت به خطايا بني آدم حتى لم يعد يقوى على الانتصاب..، وكان على الساعة البرجية أن توقف عقاربها احتجاجاً على ما وقع في حضرتها، لكنها أوتيت قدرة فائقة لاستئناف العد خارج نطاق التاريخ مراهنةً كبعض شهود الواقعة أنّ (العَيَان سيعلن زواله) قريباً.

عند مدخل بوابة ثانوية للحديقة، انتحى بائع (ترمس) بعربته.. إلى جواره تربَّع طفل على كرسي واطئ من القشّ.

على حائط السينما استند شخص مكتوف اليدين، ذو لحية أتت على معظم وجه نحيف أسمر يشيع الارتجاف في الأوصال.

أمامه على بعد خطوات وقفت امرأة مكتنزة وشابة نحيلة تنتظران باص النقل الداخلي، ولاح من اضطراب ملامح الفتاة أن (تلطيشاً) مقذعاً يصلُها من وشوشات المتطفل الغريب.

أمام المطعم، فوق صندوق مهمل جلس شيخ نحيف مسنداً ذقنه على عكاز استقرت ساقه بين ركبتيه، وجسَّد بمعطفه الكئيب وغطاء رأسه المنحسر عن صلعة مرقطة أنموذجاً لمشرّدي الحروب أو ضحايا الفاقة والعَوَز، بالقرب منهُ رجلان ضخمان يأتيان بنهم على شطائر (جبن) فيما تجمهر بعض ناشئة قدّام متجر الألبسة المستوردة يحدّقون بوقاحة في السيقان المكشوفة لعارضات أزياء من البلاستيك الخالص.

وعلى رصيف الدوّار انزرع شرطي مرور بوجه عابس وصفارة تماهى صراخها الحادّ بزعيق رياح مشبوبة بعثرت منثور الأوراق المصفرة والأتربة الناعمة في الطرقات والعيون.

بقي كل شيء راكداً ناعساً حتى أفلتت صرخة استنكار من إحدى أربع بنات دلفن إلى الشارع..، وما أسرع ما صوبت السبابة سهمها في اتجاه السينما، وسجل (الأنا الأعلى) أوّل أحكامه:

-مجنون.. انظروا.. مجنون..

شبّت نارٌ في هشيم، وتداعت الأنظار من كل ركن مسلطةً سيوفها على شاب ثلاثيني قصير، مربوع، ضاقت على بطنه النافرة كنزة بنيّة من قطن رديء، انزاحت قليلاً لتبرز انخماصاً جلدياً مستديراً كاد يضيع في تلافيف البطن المترهلة.. ولطخت الأكمام بقع صفراء نجمت عن إتيان التمخط في غير أصول..

تحت البطن المندلقة ظهر حزام رفيع من المطاط الأبيض، بالكاد لملم أطراف (بيجاما) مهترئة انفصلت عنه لتشكّل فجوة عند الخاصرة اليمنى، وأخرى واسعة في الخلف، وكان من دواعي الأسف أن تفضح الفجوتان غياب أثر اللباس الداخلي وتكشفا عورة الرجل في وضح النهار..

قصص الخط الحديدي · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قصص الخط الحديديص ١٦