فرشت بهيرة شوالاً من الخبز اليابس على الأرض. وشرعت المرأتان تكسّران الأرغفة الرمادية، وتلعنان حظّاً خائباً قاهراً رَفَسَهما إلى الدرك الأسفل من الحياة وصَنّفهُما كأُجراءٍ للآخرين، تعتاشان من نبر الزيتون وطحن الجوز والدقيق وتقشير الفستق بالأجرة، وقد تدخلان في شراكة تجارية غير متكافئة كما الحال مع بقرة الجيران فتؤمّنان قوتَنا من اللبن لقاء تعليفها وتسمينها والسهر على ولادتها والنوم على خوارها ومعاينة أمراضها ومسايرة أفانين دِلّها وغنجها…، وحيثما اتفّقَ ووجدت بهيرة فرصة عمل فهيَ لا تتردد في اقتناصها واهبةً حياتها (كأُضحية) من أجلنا، حتى أنها رهنت نفسها كـ (دادا) لأولاد الحارة الذين حظيت أمهاتهم بوظائف حكومية في المدينة فكان على (الدادا) بهيرة أن تبتكر حيلاً تردع الصغار عن المطالبة بأهلهم بافتعال ألعاب وتمثيليّات ساذجة تبدو بها كمهرّج لم يتقن عملهُ ريثما يستردّ المؤتمنون أماناتهم من عندها.
يبدو انفعال أمي وبهيرة حاداً هذا المساء لدرجة أنّ أمّي لم تفطن لنومي على القطن وإلاّ ما سلمْتُ من سُخريتها اللاذعة كأن تعلّق هكذا:
-ما تفعل يا فدّان هنا؟ أكل ومرعى وقلّة صنعة؟… شكراً لله الذي باركني بفدادين تجتّر وتشخر فتؤنس وحدتي…
وما كنت لأُبادل أمي نقمة بنقمة إذ تسوطني بمقذع شتمها بل تأخذني بها رأفة، ويستبدّ بي حزنٌ وعَجز يمحق اخضرار الأمل فيتصحّر القلب ويعجف عندها..، تفّر العين إلى الصورة المحايدة، تتعقّب مسارات الخطوط الزيتيّة، وتزاويق فرشاة غرّة رسمت خارطة كذبة سوداء وملامح سحنة مغبونة ساذجة ورثُتها عن رجل يُدعى
أبي…
-عُدْ إلينا يا أبي…
وإذ لا تقع العين على ما يريح الخاطر تروح فُرْجَتُها تضيق حتى تنطفئ شبه نائمة في لحظة يأس وخصومة مع القَدَر.
الشتاء حزين، الحزن ذاتهُ يحتجّ لتعاسة أمّي. يريد أن يطفش، لكنَّ يداً تشدّ أطراف ثوبه فيمكث بقتامتهِ وثقله..، وكانون طاغية تَعِس يكسّر البَرَد شظايا حقد تغتال دروباً طيّبة ونوافذَ بريئة وحيطاناً عزلاء، وأنا فوق الفراش أعقدُ رهاناً خاسراً مع خِدر لعين لا بدّ سيهزم الإرادة ويُسلمني لنومٍ محققّ.