تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتابة "رواية ما ليست في الواقع إلا ضرباً من حب الذات؟ يحب الروائي أن يتجلى في مرآة الوجود، فيبدأ في خلق شخصياته"(20) هكذا يتأمل الراوي وهو -كاتب الرواية- نفسه في "سابع أيام الخلق" لعبد الخالق الركابي، معيداً على أسماعنا أسطورة نرسيس الذي لا يخلو فنان خالق منه: نحن نكتب لكي لا نكون هامشيين ثانويين في هذا الوجود، الذي نريد تأكيد وجودنا فيه. ولا يقتصر هذا التأمل على الراوي نفسه. بل يمتد إلى عمله وعالمه الذي يتشكل من كلمات وحسب "لقد أسدلت الستائر دول مدينة الأسلاف. مدينة الاسمنت والحجر، لافتح بمداد قلمي آلاف الستائر والنوافذ على مدينة الأسلاف الأخرى، مدينة الحروف والكلمات، التي أعاد تشييدها حرفاً حرفاً وكلمة كلمة. هؤلاء الرواة الستة"(21) وهكذا فالكتابة لاحقة بالقص الشفاهي، والراوي لا يخبر القارئ بأن عمله خيالي، ومدينته خيالية، وهي غير مدينة الواقع، بل يعد بأنه سيفصح عما يقوم به في الصفحات التالية. ولا يقتصر التغريب على ما يقدمه الراوي من معلومات عن عمله وإعلانه بأنه ليس حقيقياً بل من حروف وكلمات، بل أن هيكلة وبناء الرواية يسهم وإلى حد كبير في فصل القارئ عن الحدث وعن التماهي مع شخصياته الخيالية، شاحذاً قدراته العقلية، ومثقفاً لها في الوقت نفسه، لفك رموز هذا النص الذي بني على أساس علوم العرفان لا سيما فلسفة محيي الدين بن عربي المتصوف والفنان، العالم مكتوب في رق الوجود لدى ابن عربي، والقرآن صورة عن هذا العالم، وكما أن للوجود ظاهراً وباطناً كذلك للقرآن ظاهر وباطن، وهكذا عمد الكاتب إلى أن يقيم مدينته، مدينة الحروف والكلمات على أعمدة من الحروف نفسها، فتوزعت أجزاء الرواية على سبعة حروف تكوّن بمجموعها كلمة (الرحمن)، والأجزاء السبعة هذه مساوية لأيام الخلق السبعة، كما وردت في الديانات السماوية أو في أساطير الخلق والتكوين السابقة عليها.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٩٨