تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبفعل معوقات مرورية تتحرك السيارة حركة مروحية وكأنها مروحة، ثم تكشف طريقاً لتدلف في طريق لا نهائي، أرضي وفضائي في آن واحد، ثم تستدير وتعود لتدخل مرآباً مليئاً ببقايا الحديد وهياكل السيارات المحطمة، والبراميل إلا أن السيارة، وهي تتقدم تفاجأ، بكتلة صغيرة، تميزها حركتها عن قطع الحديد، وتتراجع الكتلة التي تشبه حيواناً أو طفلاً بشرياً، أمام زحف السيارة مختبئة تحت أحد البراميل. ثم لا تلبث أن تظهر، لتواجه نفير بوق السيارة، بصرخة حادة من فمها الواسع يصاحبها انشطار رأس الكتلة إلى رؤوس متعددة متطايرة في الهواء، وشبيهة بالرأي الأصل(1)-على غرار فقاعات الصابون، مما يدفع سيارة السيرك إلى التراجع إلى خلف، الذي يؤدي إلى اصطدامها بجدار مرتفع من البراميل، تتساقط براميله لتحيط بالسيارة ثم تدفنها.

في كل قصص الكاتب التي تحدثنا عنها حيث الآن، بشر يفعلون ويتكلمون، وتقترن العين بالأذن والرؤية بالسماع، وفي صوت الراوي أو كلامه، نجد أحياناً عبارات تقويمية، تشكل معالم أو صوىً أمام القارئ كقوله على سبيل المثال في حكاية الموقد "اعتبرت الأم الصغيرة الطقس الحنظلي منتهياً" لكننا هنا إزاء عين مبصرة لا يصحبها صوت كما هو الأمر في السينما الناطقة، والصوت الوحيد الذي نسمعه هو صوت الراوي الذي استحال هنا، وصافاً. ومع أن ثمة عبارة مهمة تصب في الحقل الدلالي للنص هي قول الراوي "تتراجع سيارة السيرك، بوحوشها، فتصطدم بجدار من البراميل، فإن الدلالة النهائية للنص تظل غامضة، وكل ما يفضي إليه النص من دلالة، هو تراجع البربرية والوحشية أمام الحياة، مما يجعلنا نتساءل عما إذا كانت القصة هي قصة عن عصرنا وحضارتنا؟

(1) * كشف القاص نفسه فيما بعد، في سيناريو نشره في مجلة "أسفار" بعنوان الصرخة إنه استوحى صورة هذا الكائن من لوحة (صدى صرخة) للفنان المكسيكي "سيكيروس" ينظر الفصل الخاص ببلاغة التناص حيث تحدثنا عن ذلك.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٣٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٣٣٥