تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الواقع، لم تكن هذه الخصائص المميزة التي طبعت أعماله المتأخرة، رواسب علقت بوسائله الإجرائية بسبب ممارسته المنظمة للنقد التقليدي (الأكاديمي)، أو النقد السوسيولوجي، أو السايكولوجي، وهي الأعمال النقدية التي ظهرت قبل اندلاع موجة النقد البنيوي في بغداد، أواسط الثمانينات، إنما كان ثمة وعياً حاضراً على الدوام في ذهنه للربط والتأسيس (والمزج في واقع الحال) بين مختلف المناهج، وهي النظرة اليوتوبية لقرن عدة مقاربات نظرية، وبمقادير مختلفة للاقتراب من روح النص، وكان بحثه يشكل نوعاً من الإصرار على تدشين جو من القرابة بين التنويعات النقدية المختلفة، والاعتناء بالتأويل الدلالي الظاهر للنصوص، وإن كان لديه ابتعاد واضح عن الأجهزة الاصطلاحية التي تقترب من العلوم الصرفة، كانت لديه قرابة من البداهة الحسية، قرابة من التجربة الحياتية، وميل واضح من المعرفة العامة، وتركيز جلي على التجربة الذاتية التي تشكل العلاقات الإنسانية روحها وجوهرها.

لقد كان ثمة ملائمة واضحة بين التنظيم الداخلي للنص، وبين حدوده الفلسفية والتخييلية، لذا كانت الموازنة على الدوام مقلقة، موازنة مخيفة، وكان الاختيار الحاسم للموقف، لا يتم في تتبع العلامات الدالة وحسب، إنما من خلال تشبهها بالعلاقات المزدوجة للدلالة، من خلال تشابهها السحري مع العالم، وهو من -وجهة نظري- نتاج (من بين نتاجات مختلفة) للمشروع الرومانطيقي الذي طبع مسيرة النقد العراقي على مدى قرن كامل (منذ صدور أول تعليق نقدي في مجلة خردلة العلوم أوائل هذا القرن، إلى يومنا هذا) لقد ظل هذا الاختيار اختياراً ملزماً وتذكيراً على نحو ملموس باليوتوبيا التي طبعت مسيرة النقد العراقي منذ نشأته، والإصرار الملحف على الوظيفة الاجتماعية، واندراج النص في التاريخ، وإلزام القيم المطلقة وهو الإلزام الأخلاقي الذي عده النقاد العراقيون دون استثناء أساساً للإلزام الجمالي.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢