تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا التحول من العالم الخارجي، إلى الشخصية القصصية، من الخارج إلى الداخل ومن الاستنساخ إلى الإبداع، لم يكن ليتم بدون مؤثرات ثقافية وفنية خارجية، فضلاً عن التراكم المعرفي لدى القاص العراقي، وغالباً ما يشار إلى جيمس جويس ودستويفسكي وسارتر وكامو، على أنهم أساتذة الفن القصصي لدى نوري، لكن الحقيقة التي ينبغي الإشارة إليها، أن نوري نفسه قد أبدى إعجابه بدستويفسكي، وقد كتب لصديقه التكرلي متسائلاً: أي نبّي هذا المعتوه كان، أحقاً تحس في شخصياته شيئاً من روح الأنبياء، أنهم أبطال نقائص وعاهات وجرائم، وأبطال حقيقيون". لقد كانت الثلاثينات بدء اكتشاف القاص العراقي للقصة الروسية ولتولستوي بصورة خاصة، أما الخمسينات، فقد كانت مرحلة اكتشاف دستويفسكي وفي الوقت الذي كان فيه نوري يحاول أن يقدم أبطالاً شبيهين بأبطال دستويفسكي "أبطال نقائص وعاهات" كان بعض النقاد مثل نهاد التكرلي، يعكفون على كتابة مقالات صحفية يعرضون فيها ويحللون شخصيات دستويفسكي، وبالرغم من أن نوري استعار بعض أدواته من جويس وكامو وسارتر، فإن عالمه هو عالم دستويفسكي، وهو عالم ينصب فيه الاهتمام بدرجة رئيسة، على الشخصية البشرية، ولم يكن التكرلي، بالرغم من كل ما أضافه إلى جهود عبد الملك، ليخرج عن هذا العالم.

لقد واصل التكرلي الطريق الذي بدأها سلفه نوري، وقد أتاح استقلال القاص الفكري، له أن يخلق انعطافاً حاداً في فنية القصة بما أحدثه من تغيير في الرؤيا والمنظور، فلقد انتصر التكرلي- الذي عاب على نوري أن تكون شخصياته كأشياء في العالم مع بعض التناقضات حسب عبارته- انتصر للشخصية على العالم، منضوياً تحت لواء قصص عالمي أهم أعلامه دستويفسكي وسارتر وكامو وكافكا(33).

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ١٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ١٨٦