تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثمة توليفات أخرى ماثلة في تركيب القاص للقّطات لصورة الغائب المعلقة فوق إطار باب الدار على مشهد الموقد والمتحلقين حوله لسماع الحكاية، وهي توليفات، تعد هي الأخرى، أرصاداً ينبئ بنهاية القصة، ففي لقطة من وجهة نظر الزوجة نسمع صوت الراوي الذي يرن فيه صوتها وهو يقول: "من يراه هكذا بشعره العاري المنثور كذيل حصان على جزء من جبهته الواسعة، سيعتقد أنه معلق من شعره، من شعرة واحدة متوترة. متى ستنقطع هذه الشعرة فتزول تلك الحياة المستورة؟ تليها لقطة ثانية من وجهة نظر الكادر نبصر فيها صاحب الصورة المجمدة خلف الزجاج والإطار الورقي، وكأنه يتحرك ويشارك العائلة طقوسها: "هناك لطخة تغطي موضع فم رجل الصورة، ربما كان مرد هذه الوساخة أن البصمة خلف الزجاج كانت تشرب وتأكل، ولكنها لا تغسل فمها إثر ذلك الخ.." تليها لقطة ثالثة من وجهة نظر الكادر أيضاً، تشكل لحظة التنوير في القصة، وتقول ما سكت عنه الراوي أي موت الغائب، "لا أحد يلاحظ اهتزاز الصورة وترنح ظلها. متهيئاً للانزلاق خارج شريط الإطار، وماجت أرض الغرفة الصغيرة وانقطع ذوبان الأم الصغيرة في أجواف الموقد.. وتوقف القطار في المحطة. كانوا يرتجفون أيضاً وذبلت فتيلة الفانوس وكان الموقد كصحراء ملتهبة) وبهذا الوصف المسرود والصورة السردية، نعرف نحن القراء أن ربّ العائلة الغائب، لن يصل أبداً إن الوصف لوجه الزوجة الصغيرة، التي تروي الأحداث من وجهة نظرها، هو وصف سينمي، إذ يوضع هذا الوجه في لقطات عدة، إلى جانب الأشياء المكونة للدار أو إلى جانب نار الموقد، لتتخلق من ذلك دلالة الوصف. ولنذكر هنا العبارة الأخيرة في النص المقتبس.. فوجه الأم يوضع جنباً إلى جنب مع الموقد الذي يبدو كصحراء ملتهبة، ليعبر عن أقصى حالات الغضب.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ١٢١